رأي

السودان بين الاستخلاف وعمارة الأرض: ماذا لو كان أصل البلاء أعمق من الحرب؟

 

عادل الرفاعي ابوالحسن

ربما آن لنا، و نحن نعيش هذه الحرب بكل ما حملته و تحمله من مآسٍ و دماء و دمار، أن ننظر إلى الصورة الأوسع، و أن نتجاوز الأسباب المباشرة للحرب إلى ما تراكم عبر عقود و أجيال.

هذا طرح للتأمل و النقاش، يبحث في علاقة الإنسان بالأرض، و بالموارد التي سخر الله له، و في أثر العمل و الإنتاج و التنمية و العمران على حياة المجتمعات و استقرارها.

يقول الله سبحانه و تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
(البقرة: 30)
و يقول سبحانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾
(ص: 26)

فالخلافة في الأرض مسؤولية، و ترتبط بما وهب الله الإنسان من عقل و علم و إرادة و قدرة على العمل و البناء، و بما أقامه عليه من أمانة الحق و العدل.

ثم يقول سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
(هود: 61)

و عمارة الأرض معنى واسع، تشمل استثمار الأرض و المياه و الثروة الحيوانية و المعادن، و إقامة الصناعة، و تطوير التجارة، و بناء المعرفة، و توفير فرص العمل، و تحسين الخدمات، و تنمية الإنسان.

و يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾
(الأعراف: 10)

فالتمكين اقترن بالمعايش، و المعايش تنمو بالعمل و الإنتاج و حسن استثمار ما أودع الله في الأرض من خيرات.

و هنا تتصل العبادة ببناء الإنسان؛ فالصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و سائر العبادات تغرس فيه الأمانة و الانضباط و المسؤولية و الرحمة و العدل. و حين تتحول هذه القيم إلى سلوك في الحياة العامة، تصبح إصلاحاً و حفظاً للحقوق و إقامةً للمصالح.

و من هذه الزاوية تصبح عمارة الأرض بالحق و العدل ميداناً من ميادين المسؤولية، و يصبح استثمار الموارد و تحويلها إلى إنتاج و منافع جزءاً من بناء الحياة.

فالأرض الزراعية تتحول إلى غذاء، و المياه إلى حياة و إنتاج، و الثروة الحيوانية إلى غذاء و صناعة و تجارة، و المعادن إلى قيمة مضافة، و العلم إلى معرفة و تقنية، و الإنسان إلى طاقة عاملة و مبدعة.

الأوطان تُبنى بتعظيم ما تملكه، و بتنمية مواردها، و بتحويل إمكاناتها إلى إنتاج و قيمة و منافع مستدامة، وحين تتسع ميادين العمل و الإنتاج، تتسع معها حركة المجتمع. المزارع ينشغل بأرضه، و العامل بمصنعه، و المهندس بمشروعه، و الطبيب بمرضاه، و المعلم بطلابه، و الباحث بعلمه، و التاجر بسوقه.

و يحضر هنا مثلنا الشعبي السوداني: (الفاضي يعمل قاضي)، فالمجتمع الذي تتسع أمامه مجالات العمل و الإنتاج و التطوير، تتسع فيه مجالات التفكير في المستقبل، و تتشابك مصالح أفراده، و تتوجه طاقاته إلى البناء.

واحد زائد واحد يساوي اثنين، أياً كان معتقد من يقوم بالحساب، فمن يزرع أرضه يحصد إنتاجها، و من يستثمر في الإنسان يزيد قدرته، و من يبني الصناعة يخلق قيمة، و من يوسع دائرة الإنتاج يوسع دائرة المنافع.

و السودان يملك أرضاً واسعة، و مياهاً، و ثروة حيوانية، و موارد معدنية، و موقعاً جغرافياً مميزاً، و طاقات بشرية، و إمكانات هائلة في الزراعة و الصناعة و التجارة و الخدمات.

و هذه الإمكانات تستطيع أن تجعل السودان قاعدة إنتاج غذائي و صناعي كبيرة، و مصدراً للصادرات، و موطناً لفرص العمل، و شريكاً فاعلاً في الأمن الغذائي و المصالح الاقتصادية في محيطه الإقليمي و الدولي.. لكن قيمة الموارد تظهر حين تتحول إلى حياة و إنتاج و منافع.

و هنا يبدأ السؤال: ماذا يحدث لمجتمع تتعطل فيه عمارة الأرض، و يضعف فيه استثمار الموارد، و تبقى إمكانات واسعة خارج دورة الإنتاج و التنمية، و يستمر ذلك عبر حقب و أجيال؟

قد تتراكم آثار ذلك في الاقتصاد، و فرص العمل، و مستوى الخدمات، و قدرة الدولة على تلبية احتياجات مواطنيها، و في طبيعة العلاقات داخل المجتمع. و مع اتساع الفراغ الاقتصادي و الاجتماعي، تتقلص مجالات الحركة و المبادرة، و تصبح المنافسة على الموارد المحدودة أكثر حضوراً.

و من هنا يمكن أن ننظر إلى أزمات السودان من زاوية أوسع؛ فالحرب لها أسبابها المباشرة و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المتعددة، و وراء هذه الأسباب مسارات طويلة من التراكمات. وقد يكون ضعف العمران، و محدودية الإنتاج، و تعطّل استثمار الموارد عبر أجيال، أحد العوامل البعيدة التي ساهمت في تكوين البيئة التي تراكمت فيها تلك الأزمات.

و هنا أضع السؤال للبحث و التأمل: هل كان تعطّل عمارة الأرض و استثمار مواردها أحد الجذور العميقة التي ساهمت، مع عوامل أخرى، في صناعة الفراغ الذي اتسعت داخله أزمات السودان حتى وصلت إلى الحرب؟

إن توزيع السلطة و الثروة العادل، و بناء المؤسسات، و إصلاح الدولة، قضايا أساسية، و تحتاج إلى قاعدة تحملها: مجتمع يعمل، و ينتج، و يعمر، و يطور، و يستثمر موارده، و ينشغل بمستقبله.

و إذا كان العمران يوسع دائرة العمل و الإنتاج و المنافع، فإنه قد يكون كذلك أحد أهم أبواب بناء مجتمع أكثر وعياً، و تماسكاً، و اندماجاً، و توافقاً، و تعاوناً. فكلما اتسعت المصالح المشتركة، تشابكت علاقات الناس، و تكاملت أدوارهم، و أصبح الاختلاف جزءاً من تفاصيل الحياة، و أكثر قابلية للحوار و التوافق و إدارة الاختلاف.

و من هنا فإن إعادة بناء السودان تحتاج إلى أكثر من إعادة إعمار ما دمرته الحرب؛ تحتاج إلى إعادة بناء دورة الحياة نفسها: الإنسان، و الأرض، و الإنتاج، و الموارد، و الخدمات، و المؤسسات.

تساؤل أخير:
و إذا كانت عمارة الأرض مسؤولية من مسؤوليات الاستخلاف، وقد قال سبحانه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾،
فهل يكون تعطيل عمارة الأرض، و تعطيل ما أودع الله فيها من مقومات الحياة و الإنتاج، صورةً من صور الإفساد في الأرض، أو درجةً منه؟
و إذا كان ذلك تقصيراً في مسؤولية الاستخلاف، فهل له صلة بسُنّة الاستبدال؟
و هل يمكن أن يؤدي ترك مسؤولية العمارة، على امتداد الزمن، إلى أن تُمنح فرصها لغيرنا؟

هذه ليست أحكاماً، بل تساؤلات مفتوحة للنقاش و التدبر، حين نبحث عن الجذور الأعمق لأزمات السودان.

و فى النهاية يبقى السؤال الأهم: ماذا فعلنا بما استخلفنا الله فيه؟
السودان يملك الكثير… فلنحسن عمارة ما استخلفنا الله فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى