رأي

حزمة استقرار الشرطة .. إعادة بناء الأمن بعد الحرب

عميد شرطة (م)

عمر محمد عثمان

الـ Police Stabilization Package (PSP) أو حزمة استقرار الشرطة، ليست مصطلحاً نظرياً يُتداول في أدبيات ما بعد النزاعات فحسب، بل هي إطار عملي يسعى إلى تمكين الشرطة من النهوض من جديد بعد الحروب والكوارث. غايتها أن يشعر الناس بوجود شرطة عادلة، تحميهم وتصون القانون، وتمنع انزلاق المجتمع نحو الفوضى أو العنف المتجدد.

جوهر هذه الحزمة يرتكز على إعادة تنظيم القوات، وتدريب أفرادها على قيم العدالة وحقوق الإنسان، وتوفير ما يلزمهم من مركبات ومعدات وأجهزة اتصال. كما تشمل مراجعة القوانين لتكريس الشفافية والمساءلة، وتفعيل برامج الشرطة المجتمعية حتى تُبنى الثقة بين المواطن ورجل الشرطة على أساس متين.

السودان.. إشارات البداية:

في السودان، أخذت ملامح هذه الحزمة تتشكل شيئاً فشيئاً. إعادة تشغيل غرفة السيطرة والتحكم وإدارة النجدة بولاية الخرطوم، بعد أن دمّرتها المليشيا المتمردة، كانت خطوة بالغة الدلالة. زيارة المدير العام لقوات الشرطة إلى هذه الوحدات حملت رسالة واضحة بأن هناك اتجاهاً جديداً. ولعلّ تزامن هذه الخطوة مع اليوم الدولي للتعاون بين أجهزة الشرطة، الذي يوافق السابع من سبتمبر كل عام، أضفى على الحدث بُعداً رمزياً، خاصة وأن شعار المناسبة هذا العام كان:

“تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي في العمل الشرطي”:

وقد أكّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في كلمته بهذه المناسبة، أن توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في العمل الشرطي ضرورة ملحّة لتعزيز الفاعلية والشفافية، مع وجوب التمسك بحقوق الإنسان والقيم الإنسانية.

خطوات عملية على الأرض:

الجهود لم تبقَ حبراً على ورق. فقد بدأت أعمال الصيانة لإعادة تأهيل غرف العمليات وتشغيل خط النجدة (999)، ووضعت خطة لإعادة نشر كاميرات المراقبة وربطها بالمحليات. كما أعيد تفعيل البصمة الجنائية، وأُدخلت الطائرات المسيّرة، مع توفير مركبات إضافية ومولدات كهربائية تضمن استمرارية العمل. كل ذلك يعكس رهاناً واعياً على التكنولوجيا والجاهزية الميدانية.

متطلبات المرحلة المقبلة:

ومع ذلك، فإن الطريق ما زال طويلاً. المطلوب استكمال شبكة المراقبة وربط جميع الأقسام بغرف العمليات، ورفع كفاءة الكوادر في تشغيل الأنظمة الحديثة وإدارة الأزمات، إلى جانب مراجعة التشريعات لتواكب واقع ما بعد الحرب. كما أن الانفتاح على الخبرات الدولية وتعزيز الشراكات التقنية أمر لا غنى عنه، بينما يبقى الأهم هو توطيد العلاقة مع المجتمع عبر برامج الشرطة المجتمعية، فالأمن لا يُبنى من جانب واحد.

خاتمة:

إن ما يحدث اليوم في السودان ليس مجرد إصلاح لمرافق متضررة، بل هو في جوهره مشروع وطني لإعادة بناء الأمن. فإذا اكتملت الحزمة بأبعادها البشرية واللوجستية والتقنية والتشريعية، فسيكون السودان أمام شرطة حديثة، راسخة المهنية، وقائمة على ثقة المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى