رأي

فقد السودان “إيلا حديد”

مهند عوض محمود

فقد السودان أمس واحداً من أنبل رجاله وأخلص أبنائه؛ فقد رحل عن دنيانا الأستاذ الدكتور محمد طاهر إيلا، رئيس الوزراء الأسبق، وابن الشرق الأصيل، ورجل الدولة الصلب الذي عُرف في حياته بالعمل الجاد والإنجاز المتقن والإخلاص للوطن؛ غاب الجسد وبقي الأثر، وبقيت السيرة الطيبة شاهدة على عهدٍ من العزيمة والصدق والمثابرة.

وُلِد إيلا في شرق السودان، أرض الهدندوة والمكارم، حيث الجبال الشامخة التي تُنجب الرجال الأقوياء؛ تدرج في تعليمه حتى نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة الخرطوم، ثم واصل دراساته العليا في بريطانيا؛ ليعود بعدها إلى السودان متسلحاً بالعلم والرؤية والإيمان بأن التنمية ليست شعاراً بل فعلٌ يُترجم على الأرض. كان منذ بداياته رجلاً يؤمن بأن الإدارة رسالة وأن العمل العام تكليف لا تشريف؛ فدخل معترك الخدمة الوطنية في أصعب الظروف، ولم يتراجع يوماً أمام التحديات.

في وزارة النقل والطرق والجسور، برز نبوغه الإداري وقدرته على تحويل الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى واقع؛ اهتم بالربط بين أطراف البلاد، وأدرك أن الطريق هو شريان الحياة الذي يحمل الأمل والتنمية معاً؛ فعمل على تأهيل الطرق وبناء الجسور وتطوير الموانئ، وكان يرى في كل طريقٍ يُعبّد طريقاً آخر نحو الرفاه والكرامة. لم يكن يرضى بالعمل الجزئي، بل كان يخطط بشمولٍ ونظرة بعيدة، يرى السودان كله وحدةً واحدة مترابطة.

ثم تولّى ولاية البحر الأحمر، وهناك سطع نجمه كواحد من أبرز الولاة الذين مرّوا على الولاية، حتى صار يُعرف بـ “إيلا حديد” لما عُرف عنه من الحزم والصلابة في العمل؛ جعل من بورتسودان مدينةً أخرى، متألقةً في نظافتها وجمالها وتنظيمها، فارتقت في عهده إلى مصاف المدن الحديثة، وبدت كعروسٍ تبتسم على شاطئ البحر الأحمر؛ لم يقتصر جهده على البنية التحتية فحسب، بل امتد إلى الإنسان نفسه، فعمل على تنمية القدرات المحلية، ودعم التعليم والصحة، وفتح فرص العمل للشباب؛ وكان يردّد دائماً أن التنمية بلا إنسان واعٍ ليست سوى بناءٍ بلا أساس.

وقد أحيا في أهل الشرق روح الانتماء والفخر، فصاروا يرونه رمزاً للقوة والنزاهة، ويطلقون عليه اسم “إيلا حديد” تعبيراً عن ثباته وصلابته؛ وبفضل سياساته الرشيدة، تغيّرت ملامح بورتسودان من مدينة ساكنة إلى مدينة تنبض بالحياة، وتحولت الولاية إلى مركز جذبٍ اقتصادي وسياحي؛ فارتفعت نسبة النمو، وتحسّن مستوى المعيشة، واستعاد الناس ثقتهم بأن الإرادة قادرة على صنع المستحيل.

ثم انتقل إلى ولاية الجزيرة، قلب السودان الزراعي النابض، ليواصل رسالته في البناء والإصلاح؛ هناك، نقل تجربته التنموية إلى بيئةٍ مختلفة، فعمل على تحسين البنية التحتية وربط القرى بالمدن وتحديث الأسواق والمرافق العامة؛ أدرك أن الزراعة ليست فقط محصولاً يُزرع، بل نظام حياةٍ يتطلب التخطيط والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة؛ وفي عهده، شهدت الولاية حراكاً تنموياً جديداً، أعاد للأرض رونقها وللمزارع ثقته بثمرة جهده.

وفي عام 2019، تقلّد منصب رئيس الوزراء في فترةٍ عصيبة من تاريخ السودان؛ كانت فيها البلاد تعيش مخاض التحول، والاحتجاجات تعصف بالشوارع، والأوضاع السياسية بلغت أقصى درجات التوتر؛ ورغم قِصر فترته في رئاسة الحكومة، إلا أنه ظلّ مثالاً للهدوء والعمل بصمت، بعيداً عن الصخب الإعلامي والجدل السياسي، متمسكاً بمنهجه الإداري القائم على الانضباط والإنتاج.

كان إيلا نموذجاً للمسؤول الذي يترك بصمته بالفعل لا بالقول؛ فلم يعرف عنه التباهي ولا الظهور، بل كان رجلاً يعمل حين يتحدث الآخرون؛ يتميز بصرامة في المبدأ، وعدلٍ في القرار، وانحيازٍ للمواطن البسيط الذي كان يراه جوهر التنمية وغايتها؛ جمع بين الحزم والرحمة، بين الرؤية والواقعية، وبين الوطنية والانفتاح على الآخرين.

إن إنجازاته في ولايتي البحر الأحمر والجزيرة ستظل شاهدةً على عقليته العملية المتطورة، وعلى إيمانه بأن الإدارة الناجحة ليست شعاراتٍ سياسية، بل مخرجات ملموسة في حياة الناس؛ فقد ترك وراءه مدناً متحضّرة، ومؤسساتٍ متماسكة، وإنساناً مؤمناً بقيمة العمل.

قال تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾؛ وقد رأى الناس عمل إيلا فشهدوا له بالخير، وذكروه بالجميل.

كان إذا وعد أنجز؛ وإذا تكلّم صدق؛ وإذا اختلف مع خصومه، اختلف بكرامة دون تجريح؛ لم يبدّل قناعته بالزمن، وظلّ متمسكاً بمبادئه حتى آخر أيامه؛ ولعلّ من أنبل ما قيل فيه قول أحد أبناء الشرق: “إيلا كان والياً على الأرض، لكنه في نظرنا كان مشروع دولة تمشي على قدمين.”

رحل إيلا، وترك خلفه إرثاً من العمل والإنجاز سيظل باقياً في ذاكرة السودان وأجياله؛ ترك الموانئ التي أبحرت منها الأحلام، والطرق التي عبَدها بالأمل، والقلوب التي أحبّته بصدق؛ رحل كما يرحل الكبار، بصمتٍ وهيبة، تاركاً وراءه سيرةً ناصعةً ترويها المدن والناس والشواهد.

اللهمّ اغفر لعبدك محمد طاهر إيلا، وارحمه رحمةً واسعة، واجعل له في جناتك مقاماً محموداً، وألهم أهله وذويه والشعب السوداني الصبر والسلوان؛ لقد فقد السودان برحيله رجلاً من معدنٍ نادر، جمع بين الوطنية الصادقة والعقلية الإدارية الفذّة، وبين الحزم والرحمة، وبين الصمت والعمل.

سلامٌ على “إيلا حديد” يوم وُلد، ويوم عمل، ويوم رحل عن دنيانا تاركاً خلفه وطناً يدعو له بالرحمة والرضوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى