رأي

أكتوبر 21 : عندما تشبع السمكة !!

 

محجوب فضل بدري

كُنَّا طلاباً بمدرسة مروي الأميرية الوسطى وبها أربعة فصول ومعمل متكامل ومخازن ومكاتب إدارة، وآلة طابعة، وحديقة غَنَّاء، وتوفر المدرسة كل الكتب والكراسات والأدوات المدرسية وتنظم الليالي الأدبية والرحلات العلمية، وتصاريح سفر بالدرجة الثالثة بالسكة الحديد والبواخر النيلية للطلاب لأماكن إقامة ذويهم فى الأجازات السنوية، أمَّا داخلية المدرسة وبها ستة عنابر فسيحة كانت توفر السكن المريح نسبياً سرير وبطانيتن ومخدة، وثلاث وجبات مُشبعة، نصيب الطالب ثلاثة عيشات من رغيف الطابونة الذي لم يكن يتناوله معظم أهالي الطلاب إلا في الأعياد والمناسبات وشاي باللبن عند الصباح. وتتوفر بالداخلية مياه الشرب من النيل ، ومياه لغسل الملابس من البئر الموجودة فى وسط الداخلية مع صرف صابونتين وظهرة أسبوعياً لكل طالب، ومكواه لكل سبعة طلاب، وللنشاط الرياضي هناك ميدان قانوني لكرة القدم، وأربع ميادين للكرة الطائرة، ولكرة السلة، وتربيزتين مجهزتين بالكامل للعبة تنس الطاولة،وراديو.

فى وسط هذه الحياة المجانية المترفة قياساً بما كانت عليه معيشة معظم الأهالي، فقد كُّنَّا ندرس بالمجان، ونأكل ونشرب بالمجان، ونلعب بالمجان، ونسافر بالمجان، ونتلقى العلاج بالمجان،ونشاهد السينما المتجولة بالمجان، وفي هذا الجو المستقر والآمن،قامت ما عُرِف بثورة أكتوبر، ولم نتخلف عن هذه (الهوجة) مثلنا مثل غيرنا الذين كانوا يتمتعون بذات الخدمات في سائر أنحاء السودان، وقد قامت الشرطة بما يمليه عليها واجبها في مثل هذه الأحوال،ورأينا في مروي وللمرة الأولى البمبان، وشاهدنا البوليس يحمل الهروات الغليظة بدلاً عن عصا الجنب الأنيقة السوداء، والدرقات المصنوعة من السعف المقوى،ويلبس طاقية الحديد بدلاً عن الكسكتة الأنيقة ويطاردنا حتى تنفضَّ المظاهرة التي كنا نردد فيها إلى الثكنات ياعساكر!! ويخرج البعض عن النص، فيقول إلى الثكنات ياحشرات، فأسقطنا هيبة الشرطة التي كانت عقوبة قطع زرارة من قميص البوليس تصل لستة أشهر سجناً، وما كنَّا ندري أننا أِنَّما نُسقط نعمة حفظ الأمن بل نسقط الدولة ذاتها ومن يومها ما قلنا (أَحْىَّ العافية)!! وظل الحال يتدهور من سئٍ إلى أسوأ وصدق فينا المثل الشعبى (السمكة وَكِت تشبع تَنُط من الموية) !!

لم تكن ما عُرِف بثورة أكتوبر سوى تَرَف نُخَب عاصمية لا تخدم إلا أهدافاً مشبوهة لا تريد لبلادنا أستقراراً ولا أمناً، وأصدق ما قيل في هذا الخصوص الهتاف الشهير (ضيَّعناك وضِعنا وَرَاك ياعبود) !!
ولم تنتج لنا ثورة أكتوبر سوى كَمَّاً هائلاً من الأناشيد الرنَّانة والاغاني الطنَّانة وتدهوراً مريعاً في الخدمة المدنية، وتراجعاً ملموساً في سائر الخدمات من تعليم عام وعالي، وصحة عامة وصحة بيئة، ومياه رى ومياه شرب نقية، ومواصلات واتصالات، وتوقفت عجلة التنمية عن الدوران وتعطل الإنتاج، ولم نستوعب الدرس فقد مرت السنوات ونحن نرزح تحت وطأة تدني الخدمات وتوقف التنمية التى بدأها (العساكر)!! ولم تُضِف لها الحكومات الحزبية ولا طوبة واحدة، ولم يستأنف مسيرة التنمية إلا (العساكر) مجدداً بعد مايو، وقامت الانتفاضة ضد نميرى، وعادت الأحزاب التي لم تتعلم شيئاً، ولم تنسَ شيئاً، ولم تخطو خطوةً واحدة على طريق التنمية حتى قامت الانقاذ فقامت بما قامت به،ودارت البلاد فى الدائرة المفرغة، من انقلاب عسكري فثورة شعبية ففترة انتقالية فحكومة حزبية ثم انقلاب عسكرى وهكذا!!

وكُسرت هذه الدائرة كليَّاً بعد اندلاع حرب الكرامة التي أشعلتها مليشيا عيال دقلو وظهيرهم السياسي قحط بتمويل دويلة الشر مخلب القط للصهيونية، وردَّ الله كيدهم لم ينالوا خيراً، وجيشنا ينتقل من نصرٍ إلى نصر، حتى النصر الحاسم بإذن الله. لكن من المؤكد فإن السودان ما بعد الحرب لن يكون هو سودان ما قبل الحرب، فالدرس القاسي والثمن الباهظ لن يذهب هدراً، ودماء الشهداء لن تضيع سُدىً، دون معاقبة غُلاة المجرمين وفق القانون وليس بالانتقامٍ الأعمىٰ .
ولنلتفت بعد الحرب إلى السؤال المعلق في كيف يحكم السودان؟ لا مَن يحكم السودان!! لتنهض بلادنا من جديد بالانتاج والمزيد من الانتاج.

كان الصول عبد العاطي أقدم رتبة في شرطة كريمة وهتف بعض المتظاهرين ضد الشرطة فقالوا (عبد العاطي راجل واطي!!)
وفى المساء ذهب حضرة الصول إلى أحد آباء الطلاب وأشتكى له من هتاف ولده ضده هو شخصياً (بالاسم) وكرر ذلك مع كثير من الآباء..
شوف السماحة وشدة البوليس ، وحسن التصرف !!
وكان يسأل (أنا ياحاج فلان راجل واطي؟) فيقول له: حاشا عليك والله. ده منو القال كدي؟ فيرد: ده ولدك !!
وكان نصيب الأولاد علقة ساخنة بي حبل الحمار!! بينما أفلت المتسببون الأساسيون من العقاب المستحق. (الله يجازي الكان السبب) !!
وكان نصيب بلادنا الاضطراب والحيرة التي تكتنفها حتى اليوم .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى