رأي

السودان بين سدين .. كيف تُدار منظومة السدود والخزانات السودانية في ظل التغيرات المناخية والتحديات الإقليمية؟

 

د. عمار أبكر عبد الله **

 

لم يعد السودان مجرد دولة يمر عبرها نهر النيل في طريقه إلى البحر المتوسط، بل أصبح الدولة التي تقع في قلب واحدة من أكثر المنظومات الهيدرولوجية تعقيداً في العالم. فمن الجنوب يقف سد النهضة الإثيوبي، أكبر مشروع مائي في حوض النيل الشرقي، ومن الشمال السد العالي المصري في أسوان، أحد أكبر منشآت التخزين المائي في العالم، وبينهما تمتد منظومة السدود السودانية التي تضم الروصيرص وسنار وجبل أولياء ومروي وخشم القربة، لتؤدي دوراً بالغ الحساسية في إدارة المياه والطاقة والري والفيضانات. هذا الموقع الفريد يمنح السودان أهمية استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يضع على عاتقه مسؤولية كبيرة. فكل تغير في الهيدرولوجيا القادمة من الهضبة الإثيوبية ينعكس على تشغيل السدود السودانية، وكل قرار تشغيلي داخل السودان ينعكس بدوره على تدفقات المياه نحو مصر.

ومع تسارع آثار التغير المناخي، لم تعد إدارة السدود مجرد عملية هندسية، بل أصبحت عملية معقدة تتداخل فيها العلوم الهيدرولوجية، والتنبؤات المناخية، والدبلوماسية المائية، والتنسيق الإقليمي، والأمن الغذائي … وحتى الأمن القومي. وقد أعادت تطورات شهر يوليو 2026 هذا الواقع إلى واجهة النقاش من جديد، ولكن هذه المرة من خلال حدث فني بحت، تمثل في الانخفاض المؤقت في مناسيب النيل الأزرق وعدد من المحطات النهرية داخل السودان.

بيان أعاد النقاش إلى الواجهة:

في السادس عشر من يوليو 2026 أصدرت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري الإتحادية في السودان … بياناً مهماً بعنوان “بيان حول الموقف المائي ومناسيب النيل”، وهو من أكثر البيانات الفنية تفصيلاً التي صدرت خلال السنوات الأخيرة. أوضح البيان أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص انخفض خلال الفترة من السابع إلى التاسع من يوليو من (207) إلى (129) مليون متر مكعب يومياً، الأمر الذي انعكس مباشرة على تصريفات الروصيرص وسنار، وعلى مناسيب النيل في الروصيرص وود العيس وود مدني والخرطوم والحلفايا وشندي.

وفي المقابل … حرص البيان على التأكيد أن الصورة الكلية للموقف المائي لا تزال مطمئنة، موضحاً أن إيرادات النيل الأبيض أعلى من المتوسط، وأن جملة إيرادات النيل الأزرق ما تزال جيدة مقارنة بالمتوسط العام والعام السابق، وأن تشغيل السدود يتم وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تكفل سلامة المنشآت المائية وتأمين احتياجات المواطنين والقطاع الزراعي. ولعل أهم ما يلفت الانتباه في البيان أنه كشف للرأي العام عن حجم العمل المؤسسي الذي يقف خلف إدارة الموارد المائية في السودان. فقد أوضح أن المتابعة تتم من خلال لجنة عليا تضم: السيد وزير الزراعة والري ووكيل الوزارة، ورئيس الجهاز الفني للموارد المائية، ومدير عام الخزانات، ومدير عام مياه النيل، ومدير عام التخطيط، ومديري الخزانات السودانية، وخبراء التشغيل والنمذجة الهيدرولوجية، إضافة إلى الجهات ذات الصلة.

وفي ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، فإن استمرار هذه المؤسسات في أداء مسؤولياتها الفنية يمثل إنجازاً قومياً يستحق التقدير. فإدارة السدود لا تتوقف عند مراقبة المناسيب، بل تشمل اتخاذ قرارات يومية معقدة تتعلق بتأمين مياه الشرب، والري، وسلامة السدود، والاستعداد للفيضانات أو فترات الجفاف. غير أن هذا البيان، رغم أهميته الكبيرة، يفتح الباب أيضاً أمام عدد من التساؤلات المهنية التي تستحق النقاش الهادئ.

ما الذي تغيّر في النيل الشرقي؟

بعد يومين من صدور بيان الوزارة … نشر موقع “المحقق” الإخباري تصريحات للخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري الدكتور أحمد المفتي (بتاريخ 18 يوليو 2026) تصريحاً بعنوان: “انحسار المياه الحالي نتيجة ملء سد النهضة.. والفيضان قد يكون أشد ضرراً”. أعاد الدكتور المفتي التأكيد على حقيقة أصبحت واضحة لكل العاملين في قطاع المياه، وهي أن إنشاء سد النهضة غيّر من النمط الهيدرولوجي الطبيعي للنيل الأزرق. فقبل إنشاء السد، كانت السدود السودانية تعتمد بصورة كبيرة على متابعة الفيضان الطبيعي المعروف بتدرجاته الموسمية، أما اليوم فقد أصبحت التصريفات تتأثر أيضاً بطريقة تشغيل السد، ومعدلات التخزين، وتوليد الكهرباء، ومدى التنسيق بين الدول. هذه القراءة الفنية لا تتعارض مع ما ورد في بيان الوزارة، بل تكمله. فالوزارة تحدثت عن انخفاض التصريف القادم من سد النهضة، بينما قدم الدكتور المفتي تفسيراً أوسع يربط بين هذا التغير وبين التحول الذي طرأ على هيدرولوجيا النيل الأزرق بعد قيام السد.
لكن في الوقت نفسه، فإن الاقتصار على هذا التفسير وحده قد لا يكون كافياً لفهم الصورة كاملة، لأن هناك عاملاً آخر بالغ الأهمية لم يحظ بالنقاش الكافي … وهو العامل المناخي.

يتبع في الجزء الثاني … حيث سأناقش الوثيقة الفنية الموقعة بين السودان وإثيوبيا عام 2022، وتقرير الإيغاد (GHACOF 73) … والسؤال المحوري: لماذا لم يشر بيان الوزارة إلى اتفاقية التعاون الفني، وكيف تُدار منظومة السدود السودانية في ظل هذه التعقيدات؟

** مختص في شؤون الموارد المائية والإدارة المتكاملة للموارد المائية والتعاون العابر للحدود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى