هل تتحول حرب إثيوبيا إلى صراع إقليمي؟

المحقق – وكالات
على بعد نحو عشرة كيلومترات فقط من وسط ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، استعادت القوات الإثيوبية صباح اليوم (السبت) السيطرة على مطار ألولا أبا نيغا. وفي المدينة، تحدث أحد السكان عن سماع إطلاق نار خارج وسطها، فيما قال مصدر قريب من جبهة تحرير شعب تيغراي إن القوات الحكومية وحلفاءها طوقوا ميكيلي.
حتى الآن، لم تسقط المدينة، لكن المعركة باتت على أبوابها، في أحدث فصول حرب عادت سريعًا إلى شمال إثيوبيا، بعد قرابة أربع سنوات من اتفاق كان يفترض أن يطوي واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا.
هذه المرة، تبدو المخاطر أكبر من حدود تيغراي.
ففي أقل من أسبوع، انهارت العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا، وتبادلت أديس أبابا والقاهرة طرد دبلوماسيين، واتهم قائد الجيش الإثيوبي إريتريا والسودان ومصر بدعم خصوم حكومته المسلحين، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث.
وبينما تقترب القوات الحكومية من ميكيلي، أصبحت الحرب الإثيوبية نقطة التقاء لخصومات أقدم تمتد من الحدود السودانية إلى مياه النيل، ومن إريتريا إلى البحر الأحمر.
السؤال لم يعد فقط من سينتصر في تيغراي، بل إلى أي مدى يمكن أن تبقى هذه الحرب إثيوبية؟
الطريق إلى ميكيلي:
بدأت الجولة الحالية من القتال الواسع في 23 سبتمبر، عندما شنت قوات تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي، ضمن تحالف جديد مع ست جماعات إثيوبية مسلحة أخرى، هجومًا ضد القوات التابعة للحكومة وحلفائها. وكان التحالف قد أُعلن قبل ثلاثة أيام من بدء القتال، وقالت الجماعات المنضوية فيه إن هدفها إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
حققت قوات المعارضة مكاسب سريعة في البداية، وسيطرت على ثلاثة مطارات في تيغراي، قبل أن تنقلب مجريات المعارك وتتغير موازين القوى.
في 28 سبتمبر، قالت قوات موالية للحكومة إنها استعادت ألاماتا، وهي عقدة مهمة للإمدادات على الطريق المؤدي شمالًا نحو ميكيلي. وأظهرت مقاطع تحققت منها وكالة “رويترز” جنودًا في شوارع المدينة، كما أكدت مصادر دبلوماسية سقوطها.
وخلال الأيام التالية، واصلت القوات الموالية للحكومة تقدمها نحو العاصمة الإقليمية. وبحلول الجمعة، قالت «قوات سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية إنها سيطرت على ميلازات، على بعد نحو 20 كيلومترًا جنوب شرقي ميكيلي، قبل أن يأتي التطور الأهم صباح اليوم (السبت)، عندما أكدت ثلاثة مصادر لرويترز استعادة القوات الفيدرالية مطار ألولا أبا نيغا، المطار الرئيسي للمدينة.
وفي المقابل، قال مصدر قريب من جبهة تحرير شعب تيغراي إن ميكيلي باتت مطوقة، من دون إعلان سقوطها.
لكن السيطرة على ميكيلي، حتى إذا حدثت، لا تعني بالضرورة نهاية الحرب.
ففي نوفمبر 2020، دخلت القوات الفيدرالية المدينة خلال الشهر الأول من الحرب السابقة. بدا وقتها أن جبهة تيغراي هُزمت، لكنها عادت بعد سبعة أشهر واستعادت ميكيلي، قبل أن تمتد المعارك إلى مناطق أخرى من إثيوبيا.
وانتهت تلك الحرب باتفاق بريتوريا الموقع في 2 نوفمبر 2022. أما القتال الحالي فيمثل أخطر انهيار لذلك المسار منذ توقيعه. لكن الفارق الأهم بين الحربين ربما لا يوجد في ميكيلي نفسها، بل خارجها.
إريتريا.. انقلاب التحالفات:
عندما اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر 2020، كانت إريتريا تقاتل إلى جانب الحكومة الإثيوبية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي. اليوم انقلب المشهد تماماً.
أديس أبابا تتهم أسمرا بدعم التحالف المسلح الذي تقوده الجبهة، وهو اتهام تنفيه إريتريا. وخلال الأيام الماضية انتقل الخلاف من التصريحات إلى قطيعة دبلوماسية مفتوحة.
الخميس، أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرا، وأمرت عشرة دبلوماسيين إريتريين بمغادرة أراضيها خلال 48 ساعة، متهمة إريتريا بما وصفته بـ«أعمال عدائية وتصعيدية مباشرة وغير مباشرة». وردت أسمرا في اليوم نفسه بإعلان قطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا.
وبذلك انهارت العلاقات التي أعاد البلدان إقامتها عام 2018 بعد قطيعة أعقبت حربهما الحدودية بين 1998 و2000. غير أن تيغراي ليست سوى جزء من الأزمة بين الجارين.
إثيوبيا أصبحت دولة حبيسة بعد استقلال إريتريا عام 1993. وخلال السنوات الأخيرة جعل آبي أحمد مسألة الوصول إلى البحر قضية استراتيجية، معتبرًا أن المنفذ البحري ضروري لاقتصاد بلاده وأمنها.
هذا الخطاب يثير قلق أسمرا، التي تخشى أن تحاول إثيوبيا الوصول إلى ميناء عصب بالقوة. في المقابل، يقول آبي إن بلاده تسعى للحصول على منفذ بحري بالوسائل السلمية.
وهنا تصبح العودة إلى الحرب في تيغراي أكثر خطورة: جبهة قتال داخلية تقع مباشرة على حدود دولة كانت حليفًا في الحرب السابقة، وأصبحت اليوم خصمًا، في ظل خلاف يتجاوز تيغراي إلى الحدود والبحر الأحمر.
السودان.. حربان متجاورتان:
إلى الغرب من إثيوبيا، المشهد لا يقل تعقيدًا؛ فالسودان يخوض حربًا داخليّة طاحنة منذ أبريل 2023، وفي الوقت نفسه يجد نفسه الآن في قلب خطاب الحرب الإثيوبية.
في 27 سبتمبر، اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بدعم وإمداد القوات التي تقاتل الحكومة الإثيوبية.
الجيش السوداني نفى الاتهامات ووصفها بأنها «بلا أساس»، ثم وجه اتهامًا مضادًا بأن مليشيا الدعم السريع تتلقى دعمًا من داخل الأراضي الإثيوبية، يشمل التدريب والإمدادات وأنشطة عسكرية مرتبطة بالمسيّرات. ولم تُثبت هذه الاتهامات المتبادلة بصورة مستقلة حتى الآن.
وهنا لا يحتاج السودان إلى دخول الحرب الإثيوبية عسكريًا حتى يتأثر بها. فالبلدان يتشاركان حدودًا طويلة، وبينهما أصلًا خلاف قديم حول منطقة الفشقة. وإلى جانب خطر تدفق موجات لاجئين جديدة، يمكن لاتساع الحرب أن يزيد حركة السلاح والمقاتلين والتهريب عبر منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية شديدة.
والأخطر أن هناك الآن حربين متجاورتين، فيما يتبادل طرفان رئيسيان فيهما الاتهامات بأن أراضي الدولة الأخرى تُستخدم لمساندة خصومهما. بالنسبة للسودان، قد يكون هذا هو الطريق الأقصر لتحول الأزمة الإثيوبية من شأن داخلي إلى تهديد مباشر على حدوده الشرقية.
مصر.. من النيل إلى الأمن الإقليمي:
مصر لا تشترك في حدود بريّة مع إثيوبيا، لكنها تحمل معها خلافًا استراتيجيًا أكثر تعقيدًا يتعلق بسد النهضة ومياه النيل.
ومع اندلاع الجولة الجديدة من القتال، اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية القاهرة أيضًا بدعم خصوم الحكومة. مصر نفت ذلك جملة وتفصيلاً، وأكدت أن سياستها تقوم على الاحترام الكامل لسيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، ورفض الممارسات التي تهدد السلام والاستقرار الإقليميين.
ثم تجاوز الخلاف حدود التصريحات؛ ففي 1 أكتوبر، أعلنت إثيوبيا الدبلوماسي المصري “أحمد محرم” شخصًا غير مرغوب فيه وأمهلته 48 ساعة لمغادرة البلاد. وردت القاهرة بالمثل فوراً، معلنة مستشارًا في السفارة الإثيوبية شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته المهلة ذاتها للمغادرة.
ولا توجد حتى الآن أدلة علنية موثقة تثبت مشاركة مصر عسكريًا في الحرب، ولذلك يبقى الاتهام الإثيوبي ادعاءً تنفيه القاهرة. لكن التطور يكشف شيئًا آخر: الخلاف المصري الإثيوبي الذي ظل متركزًا لسنوات حول مياه النيل بات يتقاطع الآن وبشكل مباشر مع أزمة الأمن الداخلي والإقليمي لإثيوبيا، ولهذا لم يعد التصعيد بين القاهرة وأديس أبابا منفصلًا تمامًا عما يجري في تيغراي.
ما الذي يجعل هذه الحرب مختلفة؟
في عام 2020، كانت الخريطة أوضح نسبيًا: الحكومة الإثيوبية وإريتريا في جانب، وجبهة تحرير شعب تيغراي في الجانب الآخر. اليوم تبدلت المواقع بالكامل.
إريتريا أصبحت خصمًا لأديس أبابا، والسودان غارق في حربه الداخلية ويتبادل الاتهامات مع إثيوبيا، ومصر دخلت في مواجهة دبلوماسية مباشرة مع أديس أبابا بالتزامن مع استمرار أزمة سد النهضة، وفي الداخل الإثيوبي، تقود جبهة تيغراي تحالفًا عريضاً مع ست جماعات مسلحة أخرى.
هذه الخريطة المعقدة لا تعني أن تحالفًا عسكريًا يجمع مصر والسودان وإريتريا ضد إثيوبيا قد تشكل بالفعل؛ فلا توجد أدلة موثوقة على وجود مثل هذا الحلف، والدول الثلاث تنفي رسمياً الاتهامات الإثيوبية بدعم المعارضة المسلحة، كما أن مصر والسودان لم تدخلا الحرب بقواتهما، وإريتريا، رغم القطيعة الدبلوماسية، لم تعلن الحرب عسكرياً على إثيوبيا. لذلك، فإن الحديث عن «حرب إقليمية قائمة» سيكون سابقًا للوقائع.
لكن عوامل الانتقال إليها أصبحت أكثر عددًا مما كانت عليه في الحرب السابقة: حرب واسعة في تيغراي، انهيار العلاقات الإثيوبية الإريترية، اتهامات متبادلة بدعم جماعات مسلحة، حرب مستمرة في السودان، خلاف مصري إثيوبي متجذر حول النيل، وتوتر استراتيجي بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.
وهذا ما دفع الاتحاد الأفريقي، في 2 أكتوبر، إلى دعوة إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ممارسة «أقصى درجات ضبط النفس»، والامتناع عن أي أفعال أو تصريحات قد تزيد التوتر وتقوض السلام والاستقرار الإقليميين.
المعركة على ميكيلي.. والأنظار خارجها:
في الساعات المقبلة ستبقى ميكيلي مركز الحدث؛ فاستعادة مطارها تمثل ضربة مهمة لتحالف تيغراي، لكن تجربة 2020 تظهر أن السيطرة على العاصمة الإقليمية لا تكفي وحدها لإنهاء حرب بهذا التعقيد.
ولهذا ربما تكون الإشارات الأكثر خطورة تلك التي ستأتي من خارج المدينة: هل تتجاوز القطيعة بين إثيوبيا وإريتريا حدود الدبلوماسية؟ هل تتوقف الأزمة المصرية الإثيوبية عند طرد الدبلوماسيين؟ وهل تنجح الخرطوم وأديس أبابا في إبقاء حرب كل منهما بعيدة عن الأخرى؟
حتى الآن، الحرب التي تدور على الأرض إثيوبية، لكن حولها أصبحت توجد كل العناصر التي تجعل حدودها أقل وضوحًا: إريتريا شمالًا، السودان إلى الغرب، مصر في خلفية صراع النيل، والبحر الأحمر في قلب حسابات المنطقة.
لهذا فإن الخطر ليس في أن حربًا إقليمية بدأت بالفعل، وإنما في أن الحرب الإثيوبية الجديدة أصبحت محاطة بعدة أزمات متفجرة، وأصبح لأي خطأ غير محسوب في واحدة منها قدرة أكبر على جر المنطقة بأكملها معها.



