حين غابت الدولة… تحوّل السوق السوداني إلى مقامرة

مهند عوض محمود
في الاقتصاد، ليست كل الأزمات سببها الحرب، ولا كل الخسائر نتيجة نقص الموارد، ولا كل الانهيارات بسبب عوامل خارجية. أحياناً يكون السبب أبسط وأكثر إيلاماً: غياب الإدارة.
حين تغيب الدولة عن قراءة السوق، وعن فهم حركة العرض والطلب، وعن تقدير احتياجات البلاد الحقيقية، وعن التنسيق بين مؤسساتها الاقتصادية، يتحول السوق من مساحة نشاط اقتصادي طبيعي إلى ساحة مقامرة؛ يربح فيها من يصادف التوقيت الصحيح، ويخسر فيها كثيرون لأن أحداً لم يكن يدير المشهد بعقل الدولة.
وهذا هو ما يحدث في السودان.
لسنوات طويلة، كان لوزارة التجارة دور واضح ومؤثر في إدارة السوق ومراقبة حركة التجارة ؛ كانت تتابع الواردات والصادرات، وتراقب احتياجات السوق، وتحاول تحقيق قدر من التوازن بين حماية المستهلك، ودعم المنتج المحلي، والمحافظة على النقد الأجنبي، وإدارة السلع الاستراتيجية.
ثم جاءت سياسات التحرير الاقتصادي، لكن ما حدث في السودان لم يكن تحريراً اقتصادياً بالمعنى الصحيح، بل انسحاباً شبه كامل للدولة من إدارة السوق.
وهنا يجب توضيح نقطة جوهرية:
التحرير الاقتصادي لا يعني غياب الدولة.
فلا توجد دولة جادة، مهما كان اقتصادها منفتحاً، ترفع يدها بالكامل عن إدارة تجارتها.
في مصر، ورغم اقتصاد السوق، تتدخل الدولة في إدارة السلع الاستراتيجية، وحماية بعض الصناعات، وضبط ملفات ترتبط بالأمن الغذائي والاقتصادي. وفي الهند، تتدخل الحكومة بصورة دورية في سياسات الوارد والصادر بحسب مصلحة السوق المحلي. وحتى في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً، مثل السعودية والإمارات، لا تُترك التجارة للفوضى، بل تخضع للتنظيم والرقابة وحماية المنافسة.
أما في السودان، فقد بدا المشهد وكأن السوق تُرك وحده… أو بالأدق، تُرك ليتعلم من الخسائر.
خذ مثال الشاحنات..
قبل سنوات، حين واجه ميناء بورتسودان أزمة اختناق وتكدس، كان المطلوب تشخيصاً دقيقاً للمشكلة: هل هي في التفريغ؟ في المناولة؟ في التخليص؟ في البنية التشغيلية للميناء؟
لكن التشخيص الذي ساد وقتها ذهب إلى أن الأزمة تكمن في نقص الشاحنات.
ثم تحولت هذه القراءة إلى سياسات فعلية.
وجّه البنك المركزي البنوك التجارية لتمويل شراء الشاحنات، ومُنحت الشاحنات إعفاءات جمركية، فانطلقت موجة شراء جماعية غير مسبوقة. الطبيب اشترى شاحنة، والصيدلي اشترى شاحنة، ومن لديه قريب بالخارج حاول إدخال شاحنة، وكأن السوق اكتشف فجأة منجماً جديداً للربح.
ثم اتضح لاحقاً أن أصل الأزمة لم يكن نقص الشاحنات، بل اختناقات في التفريغ والمناولة داخل الميناء. بمعنى أن الدولة عالجت المرض الخطأ، فخلقت أزمة جديدة بالكامل.
فانهارت أسعار النقل، وتجمدت رؤوس أموال ضخمة، وخسر كثيرون مدخراتهم، بل إن بعض الشاحنات التي دخلت عبر السوق الإقليمي انتهى بها المطاف لاحقاً بالعودة إلى منطقة جبل علي الحرة بأسعار متهاوية.
هذا ليس تقلباً طبيعياً في السوق.
هذا ثمن التشخيص الخاطئ وغياب القراءة الاقتصادية السليمة.
خذ مثال حب البطيخ.
اليوم يعيش هذا القطاع أزمة حقيقية، والسؤال الذي يجب أن يُطرح مباشرة:
هل تعلم وزارة التجارة حجم المخزون المتبقي من الموسم الماضي؟
هل تعلم حجم إنتاج الموسم الحالي؟
هل تعلم أن بعض تقديرات السوق تشير إلى مخزونات قد تقترب من 30 ألف طن مجمدة لدى المصدرين، وأن متوسط تكلفة الطن يدور حول 1450 دولاراً، ما يعني أننا نتحدث عن عشرات الملايين من الدولارات المجمدة؟
هل تعلم أن بعض المصدرين بدأوا يتجهون إلى السوق المصري كخيار اضطراري بعد تعثر السوق الهندي، رغم أن البيع هناك يتم بخسائر قد تتجاوز 35% فقط لتخفيف النزيف وتحرير جزء من السيولة؟
وهل بادرت الوزارة للتحرك؟
هل جرى تواصل جاد مع الجانب الهندي، وهو أحد أهم الأسواق، خاصة في ظل وجود قنوات دبلوماسية مفتوحة واتصالات رسمية؟
أم تُرك السوق ليواجه الانهيار وحده؟
الهند، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع قرارها، تصرفت بمنطق حماية سوقها المحلي ومنتجها الوطني.. و هذا ما تفعله الدول..
لكن أين الدولة السودانية؟
خذ مثالاً آخر لا يقل سخونة: حديد التسليح..
حتى لحظة كتابة هذا المقال، السوق يعيش حالة إغراق واضحة.. شركات سودانية دفعت مئات الآلاف من الدولارات لمصانع خارجية، خاصة في مصر، لاستيراد شحنات حديد إلى السودان، بينما كان في الوقت نفسه أحد أكبر المصانع المحلية يستعد للدخول إلى الإنتاج.
ثم تزامن وصول الحديد المستورد مع تدفق الإنتاج المحلي.
فماذا كانت النتيجة؟
حديد مُخزن.
رؤوس أموال مُجمدة.
بضائع لا تغطي تكلفتها مقارنة بسعر المصنع المحلي..
وخسائر ثقيلة يتحملها المستثمرون.
وفي المقابل، هناك جهات تحصيل لا ترى من المشهد كله إلا الرسوم والضرائب والمطالبات.
لكن السؤال الأهم:
هل كانت وزارة التجارة تتابع حجم الحديد المستورد؟
هل كانت تعلم بالطاقة الإنتاجية المحلية القادمة؟
هل قرأت السوق قبل وقوع الصدام؟
أم أن الجميع يتحرك في جزر منفصلة حتى تقع الخسائر؟
إن المشكلة لا تقف عند التجارة الخارجية فقط.. هناك خلل أعمق في فلسفة النشاط التجاري نفسها..
هل تُمنح الرخص التجارية بناءً على دراسة حقيقية لحاجة السوق؟ أم بمنطق التحصيل فقط؟
خذ مثلاً سوق السجانة، أكبر تجمع لمواد البناء في السودان.
في قطاعات السباكة، والكهرباء، والإسمنت، وحديد التسليح، وغيرها، هناك في كثير من الأحيان عرض يفوق الطلب الحقيقي، وتكدس واضح في عدد الأنشطة المتشابهة.
ثم تأتي مفارقة أخرى أكثر إيلاماً:
الحكومة نفسها، وهي أكبر مشترٍ محتمل في السوق، تمنح أحياناً بعض المشاريع أو الاستثمارات إعفاءات واستثناءات تسمح لها باستيراد احتياجاتها مباشرة من الخارج، ما يضعف الطلب على السوق المحلي الذي يعاني أصلاً من التخمة.
فكيف نطلب من السوق المحلي الصمود بينما تُسحب منه القوة الشرائية في بعض الملفات الكبرى؟
هذه ليست مشكلة تاجر واحد..
هذه مشكلة غياب رؤية..
وهنا نصل إلى جوهر الأزمة..
السودان لا يعاني من نقص التجار.. ولا من نقص المبادرات الفردية.. ولا حتى من نقص رأس المال وحده.. بل يعاني من غياب الذكاء التجاري المؤسسي.
الدول الجادة لا تنتظر الأزمة ثم تتحرك.. بل تملك أجهزة ترصد الأسواق، والمخزون، واتجاهات الأسعار، وفرص التصدير، ومخاطر الإغراق، وتحولات الطلب، ثم تبني القرار على المعلومات لا على المفاجآت..
أما نحن، فكثيراً ما نتحرك بعد وقوع الخسارة.
ثم هناك السؤال الأكبر:
هل لدينا سياسة تجارية أصلاً؟
هل نريد فقط فتح الباب ثم ترك السوق يتصارع؟
أم لدينا رؤية تربط التجارة بالإنتاج، والزراعة، والصناعة، والنقد الأجنبي، وحماية رأس المال الوطني؟
لأن التجارة ليست مجرد دخول وخروج سلع.. إنها أداة سيادية.. وأداة لحماية الاقتصاد.. وأداة لتوجيه الاستثمار.. وأداة لمنع رأس المال الوطني من السقوط في الفخاخ المتكررة.
ولهذا، فإن وزارة التجارة لا تحتاج مجرد إدارة بيروقراطية تقليدية، بل قيادة تفهم السوق الحقيقي، وتقرأ المؤشرات، وتفهم حركة رأس المال والمخزون وسلوك المستوردين والمصدرين، لأن التجارة ليست عملاً مكتبياً، بل نبض اقتصاد كامل.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس العودة إلى اقتصاد مغلق.. ولا ترك السوق للفوضى.. بل دولة تنظم، وتقرأ، وتتحرك قبل الكارثة لا بعدها.
لأن الدولة التي تترك سوقها للمصادفة… لا تدير اقتصاداً. بل تدير مقامرة.



