عندما تصبح الكهرباء مشروع دولة: من الفكرة إلى الاستثمار الاستراتيجي

عادل الرفاعي أبو الحسن
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية ما عُرف بمبادرة شعبية لإنشاء وتمويل وتشغيل محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بنظام البناء والتملك والتشغيل ثم نقل الملكية (BOOT). وبغض النظر عن تفاصيل المبادرة أو الجهة التي تقف خلفها أو مستوى جاهزيتها، فإن أهمية طرحها لا تكمن فقط في المشروع ذاته، وإنما في أنها تفتح نقاشاً أوسع حول كيفية تعامل السودان مع مشروعات البنية التحتية الكبرى، وكيف يمكن تحويل الحاجة الوطنية إلى فرصة استثمارية حقيقية.
فالكهرباء في أي دولة ليست مجرد خدمة أساسية، وإنما تمثل قاعدة تقوم عليها القدرة الإنتاجية للدولة. فالزراعة الحديثة تحتاج إلى الطاقة، والصناعة تحتاج إليها، والتعدين يحتاج إليها، وكل توسع اقتصادي حقيقي يخلق طلباً متزايداً عليها. ولذلك فإن قضية الكهرباء يجب أن تُنظر إليها باعتبارها جزءاً من مشروع بناء الاقتصاد، وليس مجرد معالجة لنقص في خدمة معينة.
وقد ظل السودان يواجه فجوة بين القدرات المتاحة والاحتياجات المتنامية للكهرباء. وهذه الفجوة لا ترتبط فقط بحجم التوليد القائم، وإنما بطبيعة الاقتصاد السوداني وإمكاناته المستقبلية؛ فدخول المشاريع الزراعية الكبرى في دائرة الإنتاج، والتوسع الصناعي، والنمو السكاني، كلها عوامل تجعل الحاجة إلى الطاقة قضية استراتيجية مستمرة.
وكان مشروع سد مروي محطة مهمة في مسيرة تطوير قطاع الكهرباء في السودان، ومثل إضافة استراتيجية للقدرات التوليدية. إلا أن الدرس الأهم من هذه التجربة أن زيادة التوليد ليست نهاية الطريق، لأن التنمية نفسها تخلق احتياجات جديدة، والدولة التي تريد النمو تحتاج إلى رؤية مستمرة للتوسع في إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها.
كما أن أهمية سد مروي لا تقتصر على كونه مشروعاً لتوليد الكهرباء، وإنما تمتد إلى كونه نموذجاً في إعداد مشروع استراتيجي قادر على جذب التمويل. فقد تم تقديمه باعتباره مشروعاً متكاملاً من حيث الدراسات والإعداد والهيكل والتمويل، بما جعله قادراً على الحصول على ثقة الجهات الممولة رغم التحديات التي صاحبت تنفيذه.
فالضمانات الحكومية تظل عنصراً مهماً في مشروعات البنية التحتية الكبرى، لكنها تصبح أكثر قوة عندما يكون المشروع نفسه قائماً على أسس اقتصادية واضحة، ولديه قدرة على إنتاج عوائد مستقبلية. فالممول لا يبحث عن ضمان حكومي فقط، وإنما ينظر إلى قوة المشروع، ومدى استدامته، وقدرته على تحقيق تدفقات مالية تساعد في نجاحه.
وهذه قاعدة أساسية في تمويل المشروعات الكبرى؛ فالفكرة وحدها لا تكفي، وإنما يجب أن تتحول إلى مشروع مكتمل الأركان، واضح من الناحية الفنية والمالية والقانونية والبيئية، وقادراً على التعامل مع المعايير التي تعتمدها المؤسسات التمويلية والمستثمرون الدوليون.
ويمتلك السودان فرصاً كبيرة في مجال الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما توجد فرص مستقبلية في مجالات أخرى من الطاقة وفق الضوابط والمعايير الدولية. لكن التحدي الحقيقي لم يكن في معرفة الخيارات المتاحة، وإنما في القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى برامج تنفيذية مستمرة.
وقد يرى البعض أن الحديث عن التخطيط للطاقة، أو ضرورة الالتزام بالمعايير العالمية، أو أهمية إعداد المشاريع بصورة احترافية، هو حديث عن أمور بديهية. وهذا صحيح، لكن التحدي الحقيقي للدول لا يكون دائماً في معرفة ما ينبغي فعله، وإنما في امتلاك الإرادة والقدرة المؤسسية على تطبيق ما هو معروف.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع كبير ليس فقط: هل السودان يحتاج إلى المشروع؟ بل: هل السودان جاهز لتقديم مشروع بالمستوى الذي يبحث عنه المستثمرون والممولون؟
فالمشروعات الكبرى لا تجذب التمويل بمجرد وجود حاجة إليها، وإنما عندما تكون مشاريع قابلة للتمويل (Bankable Projects)، مدعومة بدراسات متكاملة، وهيكل قانوني واضح، ونظام تعاقدي مستقر، وآليات محددة لشراء الخدمة، والتحصيل، وحماية الحقوق، وتسوية النزاعات.
إن الالتزام بالمعايير الدولية في هذه المشروعات ليس تنازلاً عن القرار الوطني، وإنما هو لغة التعامل في عالم الاستثمار. فالمؤسسات التمويلية والشركات العالمية لا تنظر فقط إلى أهمية المشروع، وإنما إلى البيئة التي سيعمل فيها، ومدى وضوح القوانين، واستقرار المؤسسات، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
وهذه القاعدة لا تنطبق على قطاع الكهرباء وحده، وإنما على مختلف مشروعات التنمية والبنية التحتية. فسواء كان المشروع في الطاقة، أو النقل، أو المياه، أو الزراعة، أو الصناعة، فإن التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، أو الشركات العالمية، أو الشراكات الاستثمارية، يتطلب العمل وفق المعايير المهنية والقانونية والمالية المتعارف عليها في ذلك القطاع.
فالعالم اليوم لا يتعامل مع الأشخاص باعتبارهم ضماناً للمشروعات، وإنما يتعامل مع المؤسسات والأنظمة. وكفاءة المسؤولين والخبرات الوطنية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن وجود منظومة مؤسسية تحمي المشروع وتضمن استمراره مهما تغيرت الإدارات.
وفي مشروعات مثل نظام (BOOT) أو الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، فإن دور الدولة لا يقتصر على البحث عن المستثمر، وإنما يبدأ من تهيئة البيئة التي تجعل الاستثمار ممكناً، من خلال وضوح القوانين، وحماية الحقوق، وتحقيق التوازن بين مصالح الدولة والمستثمر.
كما أن نجاح هذه المشروعات يحتاج إلى الاستفادة من الخبرات الوطنية والدولية، ودراسة تجارب الدول التي استطاعت جذب الاستثمار وتنفيذ مشروعات كبرى، ليس بهدف نقل التجربة، وإنما لفهم الأسس التي جعلتها قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع.
إن القضية الأساسية ليست في إعلان مشروع جديد، وإنما في بناء الطريقة الصحيحة لإدارة المشروع. فالعالم لا يبحث عن أفكار فقط، بل يبحث عن دول قادرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات واضحة، مدروسة، قابلة للتنفيذ والاستمرار.
والسودان لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى الخبرات، لكنه يحتاج إلى منظومة تجعل المعرفة تتحول إلى فعل، والدراسات إلى قرارات، والفرص إلى مشروعات.
فالكهرباء تبدأ قبل المحطة؛ تبدأ من جاهزية الدولة، ومن قدرتها على بناء الثقة، ومن التزامها بالقواعد التي تجعلها شريكاً موثوقاً. وعندما يتحقق ذلك، تصبح الطاقة أكثر من مجرد حل لأزمة؛ تصبح قاعدة للإنتاج، ومحركاً للتنمية، وأحد أعمدة بناء الدولة الاستراتيجية.



