الذهب في السودان… ثروة على المحك ومعركة لا تقل ضراوة عن الحرب

مهند عوض محمود
الذهب في السودان ليس مجرد معدن نفيس؛ إنه شريان اقتصادي وركيزة سيادية؛ إنتاجه الذي يقدَّر بعشرات الأطنان سنويًا يمكن أن يقلب موازين الاقتصاد إذا سلك طريقه عبر القنوات الرسمية؛ لكن في واقع اليوم، صار جزءٌ منه يسلك دروبًا أخرى؛ حيث تتحوّل الحجارة الصفراء إلى وقودٍ للاقتصاد الموازي، وتمويلٍ للفوضى، بدل أن تكون دعامة للاستقرار والتنمية.
في غياب الرقابة المحكمة، يخرج من البلاد ذهبٌ كثير بلا فواتير حقيقية ولا ضرائب؛ وتقديرات غير رسمية تؤكد أن هذه الكميات تكلّف السودان مليارات الدولارات سنويًا؛ مهرب الذهب لا يحتاج إلى لافتات براقه أو شركات وواجهات؛ كل ما يريده هو طريق ترابي؛ معبر حدودي؛ ومُشترٍ نقدي يعرف كيف يختفي عن العيون؛ عندها يتحوّل كيلوجرام واحد إلى ورقة رابحة في يد السوق الموازية، وخسارة صافية في دفتر الدولة.
القوانين الحالية تفرض حدًا أدنى للتصدير يبلغ 10 كيلوجرامات؛ ما يعني أن صغار المنتجين— الذين يملكون كيلو أو إثنين — محرومون من التصدير الرسمي؛ هؤلاء يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما الانتظار حتى يبلغ إنتاجهم الحد المطلوب (وهو ما قد يستغرق شهورًا ويجمد رأس المال)، أو البيع للمهربين والوسطاء الذين يوجّهون الذهب إلى الخارج بطرق غير مشروعة؛ وفي الغالب، يختارون الطريق الأسرع، ولو كان على حساب الاقتصاد الوطني.
المعالجة تبدأ بقرار جريء ؛ هو خفض الحد الأدنى لتصدير الذهب من 10 كيلوجرامات إلى واحد كيلوجرام؛ هذه الخطوة ستفتح أبواب النظام الرسمي أمام الجميع، وتمنح صغار المنتجين فرصة لتصدير إنتاجهم بشكل قانوني؛ فتجف منابع التهريب عند منبعها، ويتحول الذهب من مورد ضائع إلى رصيد وطني؛ وإذا اقترن هذا التغيير برقابة صارمة وفحص دقيق لكل شحنة، فإن النتيجة ستكون زيادة في حجم الذهب المصدر قانونيًا، وتوسيع قاعدة المصدرين، وضخ موارد جديدة في السوق الرسمي بدل السوق الموازي.
لكن ضبط الذهب لا يتوقف عند تعديل الأوزان؛ بل يحتاج إلى ابتكار مسارات جديدة تحاصر التهريب وتكافئ المصدّرين الشرعيين؛ ومن هنا تأتي أهمية إنشاء نافذة لتصدير الذهب عبر ميناء وادي حلفا النيلي، مجهزة بكافة المتطلبات الفنية والقانونية اللازمة للتصدير، مع اعتبار الذهب المصدَّر عبر هذا المنفذ تجارة حدودية؛ هذا الوضع الخاص يتيح حوافز فريدة ؛ أبرزها عدم اشتراط الحصيلة الدولارية، وقبول الجنيه المصري كعملة تعامل، على أن يُستخدم في استيراد السلع المصرية وهي ضخمة؛ بهذه الآلية، نضرب عدة عصافير بحجر واحد؛
• نخفف الضغط على الدولار؛
• نحسّن الميزان التجاري مع مصر؛
• ونحفّز على التصدير الشرعي منعًا للتهريب.
كما أن إنشاء بورصة وطنية للذهب يمثل خطوة استراتيجية لامتصاص الإنتاج المحلي وتوجيهه نحو القنوات الرسمية؛ على أن تلتزم هذه البورصة بشراء الذهب بأسعار تحفيزية مرتبطة بالسعر العالمي، تقلل من جدوى التهريب وتمنح المنتجين الثقة في عدالة التسعير؛ كما توفر منصة شفافة للمنافسة بين المشترين، وتضمن دخول عوائد البيع مباشرة إلى الدورة الاقتصادية الرسمية.
إلى جانب ذلك، فإن ضبط ملف الذهب يحتاج إلى تشريعات رادعة وقوانين صارمة ضد التهريب، لا تكتفي بالغرامات التقليدية؛ بل تفرض غرامات مالية بمليارات الجنيهات، ومصادرة كاملة للمضبوطات، وأحكام بالسجن على كل من يثبت تورطه في تهريب الذهب أو تسهيل تهريبه؛ مع تخصيص حوافز مالية عالية للمبلغين عن عمليات التهريب، لضمان مشاركة المجتمع في حماية موارده. فهذه الجريمة ليست اقتصادية فقط، بل هي اعتداء مباشر على سيادة الدولة وحق شعبها في ثرواته. ولسنا في ذلك نسعى لاستعداء أحد أو الدخول في خصومات سياسية أو اقتصادية؛ بل نهدف إلى حماية مواردنا الوطنية من الضياع وضمان أن تصب عوائدها في مصلحة السودان وأجياله القادمة.
المعركة على الذهب ليست أرقامًا في دفاتر الجمارك؛ بل هي معركة على مستقبل الدولة؛ كل كيلوجرام يخرج رسميًا هو رصيد للسيادة الوطنية؛ وكل كيلوجرام يُهرَّب هو رصيد للفوضى؛ الانتصار في هذه المعركة يتطلب إرادة سياسية لا ترتعش؛ وتشريعات مرنة تعرف كيف تضرب على يد المهرب وتفتح الباب أمام المنتج الشريف؛ لذلك يجب أن نحفّز على التصدير لحسم التهريب.



