“الكونغرس”، أموال “إيباك”، وتصعيد الخطاب ضد تركيا.. هل “إيران القادمة” قابلة للتنفيذ؟

د. محمد يوسف حسن
في فبراير 2026، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية: – “تركيا هي إيران الجديدة. أردوغان خطير ومتطور ويسعى لتطويق إسرائيل” – بعدها بأشهر، خرج بول كريغ روبرتس، نائب وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، ليقول إن اللوبي في واشنطن تلقى تعليمات لبدء “شيطنة تركيا” تمهيداً لتصويرها كـ”إيران القادمة”.
السؤال: هل هذا مجرد خطاب انتخابي، أم انعكاس لتحول حقيقي في موقف الكونغرس الذي يوصف بأنه خاضع لتأثير أموال “إيباك”؟
أولا: موقف الكونغرس الحالي من تركيا: أرقام ومؤشرات
1. تأثير أموال إيباك 2024-2026
أنفقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC وشبكاتها المتحالفة مثل United Democracy Project أكثر من 100 مليون دولار في انتخابات 2024 وحدها، بهدف دعم مرشحين مؤيدين لإسرائيل وإسقاط المنتقدين لها، وكانت النتيجة: 361 من أصل 435 عضو مجلس نواب تلقوا تمويلاً من لوبيات مؤيدة لإسرائيل.
2. تشريعات ضد تركيا:
منذ 2023 تصاعدت وتيرة التشريعات:
أ. تجميد صفقات F-16: الكونغرس عطّل صفقة مقاتلات F-16 لتركيا لـ18 شهراً بسبب شرائها S-400 وتوتر شرق المتوسط. لم تمر إلا بعد موافقة تركيا على انضمام السويد للناتو يناير 2024.
ب. مشروع قانون “محاسبة تركيا”: قدمه السيناتور مينينديز وآخرون لفرض عقوبات بسبب “تقويض الناتو” و”دعم حماس”. المشروع مجمد حالياً لكنه يلوح كورقة ضغط.
ج. خطاب بينيت وتأثيره: بعد تصريح “إيران الجديدة”، 48 عضو كونغرس وقعوا رسالة في أبريل 2026 تطالب الخارجية الأمريكية بإعادة تقييم تصنيف تركيا كحليف في الناتو. الرسالة صاغها أعضاء تلقوا تمويلاً من AIPAC.
3.الانقسام الحزبي
-الجمهوريون: التيار المسيحي-الصهيوني يرى تركيا تهديداً بسبب موقفها من غزة ودعم حماس. لكن جناح “أمريكا أولاً” بقيادة ترامب متردد في فتح جبهة جديدة بعد استنزاف الذخائر في أوكرانيا وإيران.
-الديمقراطيون: الجناح التقدمي ينتقد أردوغان لحقوق الإنسان، لكنه يرفض الحرب. الجناح الوسطي مرتبط بإيباك ويدعم إسرائيل بقوة.
ثانياً: هل يستطيع إيباك جر الكونغرس لحرب ضد تركيا؟
هناك 3 عوائق بنيوية:
1. عضوية الناتو:
تركيا عضو ناتو منذ 1952. المادة 5 تلزم أمريكا بالدفاع عنها إذا هوجمت. أي قرار بضرب تركيا يعني تفكيك الناتو، وهو خط أحمر للبنتاغون. الكونغرس قد يمرر عقوبات، لكنه لا يملك سلطة إعلان حرب على حليف ناتو بدون تفكيك المعاهدة أولاً.
2. الكلفة العسكرية حسب تقديرات البنتاغون، مخزون صواريخ توماهوك والقنابل الذكية استنزف بنسبة 40% بعد ضربات إيران يونيو 2026. تركيا جيشها الثاني في الناتو بـ355 ألف جندي ودفاع جوي S-400 ومسيرات Bayraktar. وأي حرب معها تعني خسائر لا تحتملها أمريكا انتخابياً.
3. الرأي العام الأمريكي استطلاع Gallup مايو 2026 يقول إن 68% من الأمريكيين ضد “حرب جديدة في الشرق الأوسط”. حتى بين مؤيدي إسرائيل، 54% قالوا “كفاية حروب”. الكونغرس حساس انتخابياً، وأي تصويت لحرب سيفقده مقاعد في 2026.
ثالثاً: إذن ماذا يفعل إيباك؟ استراتيجية “الشيطنة الناعمة”
بما أن الحرب المباشرة مستحيلة حالياً، فالتحرك يجري على 3 مستويات:
1. تشريعي: تمرير عقوبات ذكية تستهدف قطاع الدفاع التركي وشركات الطاقة. مشروع “CAATSA 2” مطروح لمعاقبة أي تعاون تركي-روسي جديد.
2. إعلامي: تمويل حملات تصف أردوغان بأنه “إسلامي متطرف” و”حليف حماس”. مصطلح “إيران القادمة” مصمم لربط تركيا بالإرهاب في العقل الأمريكي.
3. دبلوماسي: الضغط على البيت الأبيض لاستثناء تركيا من مشاريع الطاقة لشرق المتوسط، ودعم اليونان وقبرص عسكرياً لخلق توازن مضاد.
وهذا يتطابق مع ما قاله روبرتس: “الهدف رسالة صريحة للوبي للبدء بحملة شيطنة واسعة لتهيئة الرأي العام”.
رابعاً: هل تجرؤ إسرائيل وحدها؟
إسرائيل بلا غطاء أمريكي لا تستطيع. الأسباب:
1. العمق الاستراتيجي: تركيا تبعد 900 كم، وتحتاج إسرائيل لعبور أجواء سوريا أو العراق. بدون موافقة أمريكية، هذه المغامرة انتحار عسكري.
2. الردع التركي: تركيا تمتلك صواريخ بالستية J-600T يصل مداها لتل أبيب، وأسطول مسيرات قادر على إغراق القبة الحديدية.
3. الموقف الروسي-الصيني: بعد مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية يونيو 2026، موسكو وبكين حذرتا من “أي مغامرة ضد تركيا”. إسرائيل لا تريد فتح جبهة معهم.
خلاصة: بين الخطاب والقدرة
1. الخطاب حقيقي: بينيت وجناح في إسرائيل يرى تركيا تهديداً وجودياً بعد إيران. إيباك تترجم هذا لضغط في الكونغرس.
2. القدرة مقيدة: الكونغرس يستطيع فرض عقوبات وعرقلة صفقات سلاح، لكنه لا يستطيع إعلان حرب على عضو ناتو. المال يشتري نفوذاً، لكنه لا يلغي حقائق الجغرافيا والتحالفات.
3. السيناريو الأرجح: “احتواء بارد” لتركيا. شيطنة إعلامية + عقوبات اقتصادية + تسليح خصومها الإقليميين. حرب ساخنة مستبعدة طالما ترامب يركز على الداخل ومخازن السلاح فارغة.
القاعدة التي تحكم المشهد: في واشنطن، إيباك تستطيع تحديد العدو في الخطاب. لكن البنتاغون هو من يحدد العدو في الميدان. وحالياً، البنتاغون يقول: “لا حرب مع تركيا”.



