ثقافية

الذاكرة السودانية: ثلاثية د. ياسر ميرغني المصاب بحمى حماية المستهلك

محمد الشيخ حسين

مرحباً ..
على غفلةٍ من العمر الهارب أهدى د. ياسر ميرغني عبد الرحمن المكتبة السودانية ثلاثة كتب جديدة لا تزعم أو تشير بل تؤكد أن د. ياسر مصاب بحمى حماية المستهلك.

(1)
كوب الشاي باللبن المقنن دسم الطعم وثمينَ الذكريات تجعل ياسر يحتفظ بذكرى الصباح مع رائحة اللبن المقنن التي ترتِّب والدته إمال وقيع الله سيد أحمد، رحمها الله، تفاصيلها بهدوءٍ في مطبخها الراقي بالخرطوم 2، بينما يهمهم والده مبتسما لأنه يريد (كباية) الشاي عاجلاً.
الوالد ميرغني عبد الرحمن سليمان من بديرية نوري عند منحني النيل حين يغير النهر مساره من الشرق إلى العرب ليعود متجهاً إلى الشمال حتى يستقر في مصر المؤمنة بأهل الله.

(3)
يحتفظ الحاج ميرغني برائحة اللبن المقنن الخارجة من (كباية) الشاي التي يحملها جالساً في صالونه الواسع الأنيق.

قادت رحلة الحياة الحاج ميرغني من ضيق منحني في نوري إلى تخوم كردفان الواسعة الممتدة (أم خيراً بره وجوه) ليستقر ويستثمر في عاصمة النيم أم روابة.
درس الحاج ميرغني وتخرج في المعهد العلمي الذي قاد من درسوا فيه موكب الحداثة في الحياة السودانية. وللتدليل نقول إن التجاني يوسف بشير هو من قاد الحداثة في الشعر السوداني. وفي السياسة أظن أن الشيخ علي عبد الرحمن الأمين هو من أدخل الحداثة في الخطاب السياسي السوداني متفوقاً على مجايليه من خريجي كلية غردون أو جامعات مصر وبريطانيا ولا ننسى الجامعة الأمريكية في بيروت.

مناسبة هذا الاستطراد نقول إن د. ياسر ميرغني المصاب بحمى حماية المستهلك قد تعلم أو تأثر بحداثة المعهديين من والده.

(4)
يحتفظ د. ياسر المصاب بحمى حماية المستهلك برائحة اللبن المقنن ويجلس صُدفةً مرهقا على كرسي خشبي قديم في سبع مدن داخل وخارج السودان أرغمته الحرب على النزح إليها. إن شئت الدقة فإن الحرب أجبرته على التشرد فيها.

الحديث في حرمة شاي اللبن المقنن يستوجب الاختصار. لكن تجربة د. ياسر في إصدار ثلاثة كتب تتطلب أن نوفي الرجل حقه في خوض مواضيع جديدة وفيها مشقة ويحتاجها أهل السودان بشدة. فهيا نقلب صفحاتها.

(5)
حين تقلب صفحات الكتاب الأول (ثقافة حماية المستهلك .. تجربة الجمعية السودانية لحماية المستهلك). تكتشفت أن (كباية) الشاي باللبن المقنن هي بطلة المشهد، تكاد رائحتها تقفز من (الكباية)، كأنها تطلب من الوقت أن يتريَّث ليطول اللقاء.

كيفما تدثَّرتُ حزناً أو فرحاً، كان شاي اللبن المقنن صديقا لطيفا تطبطب عليه وتتذكر بأن هناك لحظات عابرة ستبقى حاضرة في الذاكرة إلى الأبد.

(6)
يسلط الكتاب الأول (ثقافة حماية المستهلك ..
تجربة الجمعية السودانية لحماية المستهلك). الضوء علي تجربة الجمعية السودانية لحماية المستهلك.
ويؤكد المؤلف على (الأهمية القصوى لكتابة التاريخ حتى تستفيد الأجيال القادمة من تطوير الفكرة ودعمها وتجاوز كل القصور الذي لازم فترتنا).

ويستطرد د. ياسر (كثيرون من الرواد الأوائل رفضوا كتابة أدوارهم في التأسيس ووضع اللبنة الأولى لحماية المستهلك بحجج كثيرة، بعضهم قال إن كل من كتب أو وثق سيرته سيموت، وآخرون قالوا إن ذاكرتهم لم تعد تتذكر تلك الأيام الاولي التي مضي عليها أكثر من 25 عاما).

مع ذلك نجح المؤلف في نشر عدة مقالات لمشاركين في تأسيس وتطوير نشاط حماية المستهلك لعل أبرزهم د. نصر الدين شلقامي.

(7)
يعد الكتاب الأول أول توثيق مباشر لتجربة حماية المستهلك في السودان.
كعادته في التشجيع والدعم أضافت مقدمة البروفيسور علي محمد شمو للكتاب بعداً جديدًا باستعراض فكرة حماية المستهلك في العالم لينتهي بوصف مؤلف الكتاب بأنه “رالف نادر” السودان.

وثمَّن المؤلف، عبر فصول الكتاب الستة، جهد كل من دعم جمعية حماية المستهلك بيده ولسانه وقلبه.
ويسجل بتواضع الراسخين في العلم أن الكتاب مجرد محاولة تنقصها الكثير ولكنه يتمنى أن يكون قد نجح في تحفيز الآخرين لمواصلة المشوار في التوثيق.

(8)
الكتاب الثاني في هذه الثلاثية جاء بعنوان (حماية المستهلك ليست نزهة.. قضايا وعقبات ومطبات).
ويستعرض في ثمانية فصول توزعت على 260 صفحة أبرز القضايا والبلاغات وحكايات الفساد الذي صاحبت أو عرقلت عمل الجمعية السودانية لحماية المستهلك. ويستفيض بتفاصيل غير مملة في محاولات تكميم صوت الجمعية وتشويه صورة القائمين على أمرها.
ويختتم الكتاب بكمية وافرة من مستندات البلاغات والقضايا والأحكام القضائية التي تؤكد فعلاً أن حماية المستهلك ليست نزهة.

(9)
يتناول الكتاب الثالث الفساد الظاهر والمستتر في مجال الأدوية صناعة وتجارة وتوزيعا. وهنا تبرز شخصية د. ياسر ميرغني عبد الرحمن الذي درس الصيدلة في باكستان حين يتصدى لمخالفات الصناعة ويقف ضدها بقوة وصرامة والأمثلة في الكتاب كثيرة.
ولا تحسبن أن د. ياسر ينشغل بالمخالفات الصناعية وحدها بل يمتد عنفوان التصدي لطرق استيراد الأدوية ويندد بالمخالفات المتعددة في طرق الاستيراد تجارياً ثم يلتفت إلى الأحاييل الكثيرة والكبيرة في طرق إجازة الادوية للاستخدام. وخير دليل على شدة مراسه براءته من تهم وجهت إليه من جهات حكومية وغير حكومية.

(10)
يؤرقني أن يقول أحدهم بأنه لا يشرب أثناء القراءة شاي اللبن المقنن لأنه لا يعني له شيئاً أو أنه يمتعض منه. وهنا أنتصر للصديق د. ياسر في شاي بكباية عثمان حسين باللبن المقنن، هكذا اعتدتُ أن أقرا بجانب من أحبّهم.
لا أذكر مرّةً أني شربت شاي اللبن المقنن وأنا أمارس نشاطا آخر. لكن أدعوكم الى قراءة ثلاثية د. ياسر ميرغني واسالوا الله أن نصاب جميعاً بحمى حماية المستهلك حتى تكون في ياسر ميرغني أسوة حسنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى