همسة في الأذن!

الدكتور الخضر هارون
استمساك الحي بالأمل والتماس العزاء في التفاؤل خاصة وهو في حال تحيط به النكسات والكروب والموت الزؤام، يعد من ضرورات العيش في حياة وصفها خالق الحياة بأنها حياة في كبد. والكبد معاناة الشدائد والمشاق والذي يكابد ويصمد هو الفائز الفطن. و لا يندرج في سياق ذلك الخامل العاطل الذي يتمنى بلا عمل ويخادع النفس بلا طائل بالأمنيات الغارقة في خضم الشعارات الرنانة برجع الصدى وقوة أوتار الحناجر، أو تلك التي تسود بها الصحائف، علي الورق أو تزمجر لها مفاتيح الحواسيب علي الشاشات ، شاشات الهواتف الذكية والكمبيوتر المحمول والثابت . ذلك ولو تضافر كله وحدث لن يهزم الجيوش الغازية وهي تقتل وتحرق وتغتصب فالسيف أصدق أنباء من الكتب!
وقد تلبدت الغيوم على السودان بعد استقلاله مباشرة وقبله بقليل في أغسطس من العام 1955 في مجازر أنزارا و مريدي وتوريت حيث أريقت دماء عزيزة لمدنيين عزل من أهلنا . سمعنا يومها ونحن أطفال لم نرسل وقتها لكُتاب أو لمدرسة، و لأول مرة بمكان يقال له الجنوب . وبقي الرعب من الموت قرين ذلك الاسم سنين عدداً.
ثم مضت السنون وجاء عقد ستينيات القرن العشرين وقاد تحرر دول العالم الثالث إلى نشوة عارمة وتطلع لمستقبل أخضر مزدهر وغشيت القارة السمراء نفحة من ذلك فتغنينا مع منقو زمبيزي :”منقو قل لا عاش من يفصلنا. “ لم يع كبارنا ضرورة النظر بعين فاحصة إلى الوثيقة الخبيثة (المناطق المغلقة). هل انقضت سمومها برحيل المستعمر أم لم تزل عالقة تتربص بالسودان الدوائر . أجابت الحية السامة (أنيانيا) بلغة الأفعال لا الأقوال وجاءت في ركاب الموساد الإسرائيلي ففجرت وغدرت بالأبرياء العزل مثلما فعلت وتفعل مليشيا الجنجويد اليوم وسالت دماء السودانيين من الطائفتين وتجدد الجرح الأليم وظل ينزف.
وجاء أكتوبر 1964 بالبشريات في شعاره الأسمي “حل مشكلة الجنوب في حل مشكلة الشمال، وهو طي صفحة الشمولية والاتجاه المباشر صوب الديمقراطية”. وجاءت الديمقراطية وعينت حكومة الثورة ولأول مرة وزيرا لوزارة سيادية من الجنوب هو السيد كلمنت أمبورو وزيراً للداخلية كبداية لفتح صفحة جديدة في مسيرة الوحدة الوجدانية والسمو فوق المرارات .لكن الوثيقة الخبيثة، قانون المناطق المغلقة، ظلت هناك تنتظر السوانح لقلب الطاولة. وجاءت السانحة يوم تأخرت طائرة كلمنت أمبورو الوزير وأشيع أنها أسقطت فهاج أبناء الجنوب في الخرطوم وهجموا على إخوانهم من غير الجنوبيين يقتلونهم وانبرى أولئك عبر ضرب الطبول، طبول الحرب (النحاس) يردون القتل بمثله. وسجل التاريخ “أحداث الأحد الأسود”. وسالت دماء الفريقين . ونجحت الوثيقة الخبيثة وانزوت تنتظر. ونظرت القوي السياسية إلي الوثيقة بجد وعزم هذه المرة فعقدت في مارس 1965 مؤتمر المائدة المستديرة لوضع أساس عادل للعلاقة بين الشمال والجنوب في إطار الوحدة شارك فيه كل الناس. حتي قيادات التمرد في الشتات منحوا ضمان الحضور والمغادرة: أزبوني منديري ، وليام دينق، حزب سانو وحزب جبهة الجنوب. وظلت المخرجات حبراً على ورق تتهادى بين أروقة الأحزاب السياسية حتى عادت الشمولية العسكرية من كرري ومن خور عمر بقيادة جعفر نميري في 25 مايو 1969. اعتمد العهد الجديد مخرجات مؤتمر المائدة المستديرة عام 1972 كما ذكر منصور خالد وضمنت دستور 1973 . وتم تنفيذها بمنح الجنوب حكماً إقليمياً ببرلمان وحكومة امتد أجلها لعشر سنوات فبسطت السلام وأوقفت الحرب. قال عنها القاضي والسياسي الجنوبي الكبير أبيل ألير أنها ورغم كونها كانت أقل من مطلب
الفيدرالية إلا أنها كانت كافية لإبقاء السودان موحداً. لم يرق ذلك للوثيقة الخبيثة القديمة فاشتجر الخلاف بين قبائل الجنوب إذ أن مجرد التقيد بالأغلبية الميكانيكية دون مراعاة للاعتبارات الأخرى، منح قبيلة الدينكا حكم الجنوب وأفضى لتهميش بقية القبائل خاصة الاستوائية التي قادت تمرد أنيانيا. فقسم نميري الجنوب إلى ثلاث وانفجر التمرد الذي قاده كاربينو كوانين ثم جون قرنق مبيور. وكان نظام الدرق في إثيوبيا ماركسيا قحاً يحارب ثواراً في إريتريا يحاربون لاستعادة استقلال دولتهم المغتصبة، فلم يكن من مجال لقرنق من سبيل للحديث عن فصل الجنوب فتبنى منافيستو ماركسياً لينينياً لحركته الانفصالية لاحظ (ما نفسيتو) لا لفصل الجنوب بل لتوحيد السودان بأكمله تحت رايات الاشتراكية العلمية. ووجد ضالته في الماركسية الجديدة التي جعلت من العالم الثالث، موطن المواد الأولية هامشا للعالم الأول الصناعي يقتات ويترفه على فائض قيمته. ونجح البرنامج في اجتذاب مثقفي السودان اليساريين إلى الحركة التي كان جل مقاتليها لا يقاتلون إلا لفصل الجنوب. وسقطت الشيوعية سقوطاً مدوياً في العالم وتبعها نظام الدرق في الحبشة فلجأ الرجل للوثيقة القديمة، الغول ، تخليص الجنوب من اجتياح الشمال العربي المسلم ، تاجر الرقيق القديم. فتلقفته دوائر الغرب المتربصة التي هي التي كتبت تلك الوثيقة في وأوروبا وأمريكا وجاءت البارونا كوكس وجون آيبنر ومركز الهولكست والقمص فرانكلين جراهام والمنظمة الكنسية النرويجية وحتي الصليب الأحمر ضبط عام 1996 يقوم بنقل قوات قرنق بالتعاون مع أطباء بلا حدود! ألا تراهم ينسقون المواقف الماحقة حتي اليوم ضد هذا السودان ؟
ولما سقط نظام الجنرال نميري كان اليسار صاحب القدح الأكبر في قيادة التظاهرات لإسقاطه. ففرح بتباشير قيام السودان الجديد الموعود ناسياً الوثيقة اللعينة المتربصة فرفض قرنق المجئ لصناعة السودان الجديد واصفاً ما حدث بأنه مايو 2 ! لأن الهدف البعيد ليس السودان الموحد المستقر، فوثيقة المناطق المغلقة لا تسعى لخلق بوتقة منصهرة اسمها السودان والأدلة على ذلك عديدة لا تخطؤها عين . قال المبشر جون اسبنسر تريمنقهام أحد مسؤولي جمعية الكنيسة البريطانية CMS.التي جاءت مع المستعمر للتنصير في السودان مرة أنه لو لا أن الحكومة (الاستعمارية) قد منعت في مؤتمر الرجاف عام 1928 تعليم اللغة العربية في جنوب السودان واستبدالها بالانقليزية لما وقف عائق في انتشار الإسلام . وقال مرة ثانية، كانت أسواق واو وملكال في الجنوب قبل مجئ الاستعمار كأسواق الشمال لكنها الآن أضحت مثل الأسواق في يوغندا. وقال مرة ثالثة كانت مناطق غرب بحر الغزال ، مناطق الفرتيت ،توشك أن تصبح مسلمة بنشاط التجار الجلابة لكن ذلك الخطر قد زال الآن بفعل النشاط الكنسي المكثف وإبعاد أولئك التجار من المنطقة، وهكذا كان يمنع التعاطي الثقافي والاجتماعي العفوي بين شطري الوطن حيث كان من الطبيعي أن يأخذ كل شطر ما يروقه من الآخر . ذلك قد منع تماماً بتلك الوثيقة ولم يكن لحماية ثقافة تلك المناطق كما ادعوا بل لفرض الثقافة الاستعمارية عليها.
والتقينا في الشتات بصغار ضباط من الجيش جئ بهم للتدريب في الأعوام التي سبقت مجئ الانقاذ وكانت الكرمك وقيسان وقتها قد اجتاحتهما قوات قرنق ودب الخوف في الشمال واستأسد مؤيدو جيش التمرد على سكان الخرطوم يهددونهم بأنهم سيُطردوا قريباً إلى الجزيرة العربية أو لمصر، وستؤخد دورهم وممتلكاتهم . سألنا أولئك الفتية هل هناك ما يخيف وهل ستسقط الخرطوم ؟ أجهش أحدهم باكياً قائلاً لن يحدث ولو حدث سيحدث على جثثنا!
وعندما اتفقت الإنقاذ مع قرنق علي وقف العدائيات عام 2003 خشي قرنق أن ينكث الجيش ويجتاح الجنوب مجدداً ففتح جبهة دارفور للحيلولة دون ذلك، هكذا جاء في تقرير لجنة الكوارث الدولية في اكتوبر من ذلك العام وأعترف مدير برنامج السودان في خارجية أمريكا بتدخل قرنق هناك وقال لكننا منعناه!، بعثت الفتنة النائمة هناك ، بشعار العرق أولى من الدين ووقعت الحكومة في الفخ واشتعلت دارفور. ولما قتل قرنق تكرر الأحد الأسود في الخرطوم وتبددت الثقة وعاد التربص القديم وسالت دماء السودانيين وبعدت الشقة بين الشطرين فكان الانفصال.
وفي السنوات الأخيرة تكررت السيناريوهات القديمة ذاتها علي الخرطوم وتضاعف الخوف وكثر الهرج وسالت الدماء أبحراً كما سالت قبل أكثر من قرن . والسماء تتلبد من جديد والغيب يخفي الكثيف المخيف. تأملوا ما حدث ويحدث عبر عبارات مثل ” السودان مجرد جغرافيا” وملاحظات روبرت زياك نائب وزير خارجية بوش في العام 2006 في مركز بروكنز عن تهميش المركز في العاصمة الخرطوم للهامش السوداني! تلك أقوال لم تلق علي عواهنها!
تنبهوا معشر الغافلين فالخطب جلل والقادم أسوأ هذه المرة إذا انهزم الجيش الباسل والمقاتلون في صفه فهو عظم الظهر ومناط البقاء فأعينوه بيقظة وفطنة، لا بصكوك علي بياض . سائلوه وألحفوا في السؤال وتيقنوا من سيره على الجادة فلا وحي بعد محمد عليه الصلاة والسلام وقد كان مع نزول الوحي ينادي عليهم أشيروا عليَ أيها الناس !
ناضلوا من أجل المشاركة والشفافية حفاظا علي وطنكم. واعلموا أن السعي نحو الديمقراطية سيكون باهظ الثمن فقد صدرت الأوامر بأن يبقى هذا الاقليم بلا ديمقراطية فقد وئدت حيثما أطلت برأس وسيكون الإقليم المسكين تحت السيطرة المطلقة ليتم الاجهاز عليه وعلى ثرواته من أجل إسعاد الآخرين وأمنهم أيضاً وأمانهم ! ومن الإنصاف وأنت تسائل الحكومة وقيادة الجيش عن تأخر الحسم وعن قرارت تتخذ دون حيثيات يعلمها المواطن ليست من أسرار الحرب أو أسرار الدبلوماسية في شئ وعن المسغبة التي تشتد علي بسطاء الناس يوما بعد يوم وعن الأمن المنعدم في المدن وعن تفلتات تتكرر لمقاتلين وتنمر على الناس في بلدهم وبين ذويهم وعن عملة تتهاوي كل ساعة من الزمان وعن مواقف دول في مجلس الأمن جاءت ضعيفة وخجولة ومترددة تسميها شقيقة وصديقة شذت عنها روسيا وتعهدت بالدفاع والحماية وعن مسؤولين كبار في الدولة لم ينطق بعضهم ببنت شفة باسم أبوظبي مصدر هذا الموت والخراب الذي تبذل أدواته بسخاء لمليشيا الدعم السريع.
أو لم يكن الطرق الدائم على تلك الحقيقة كإستراتيجية تحرك دبلوماسي وسياسي للدولة ربما قصر أمد هذا العدوان الغاشم ؟! نعم أسأل عن ذلك كله فهذا دين الوطن عليك وحقك الأصيل في أن تعرف لكن لا تنسي أن تسأل نفسك التي بين جنبيك ماذا صنعت أنت من أجل الإبقاء عليه؟ هل امتشقت حساماً أو جهزت غازياً ؟ هل أقمت تكية لإطعام ضحايا هذا العدوان أو دعمت تكيات قائمة وهل تساهم في التوعية والتوصية والتطبيب وهل وهل.. البلد سوف لن تكون إن لم يقدم كل منا ما يستطيع ! وبقدر الصمود وبعض الصمود تتبقى الأرض وتبقى العزة والكرامة والشواهد أمامكم شاخصة لا تخفى فانهضوا قبل فوات الأوان وسينصلح الحال لو تشبثنا بالأرض وأبدينا الاستعداد لبذل الدماء والمهج من أجلها غير عابئين بالوعيد والتهديد.



