رأي

إشكالية التقسيم الحديث للدولة المدنية وشمولية الرؤية الإسلامية (1- 3)

 

د. إسماعيل ساتي

تمهيد: في مفهوم الحكم المدني..

تفكيك الالتباس أولى خطوات النقاش الموضوعي لشرح أي مفهوم هي تحديد معناه وضبط حدوده. ومصطلح الحكم المدني (Civil Governance) من أكثر المصطلحات التي تعرضت للالتباس في الخطاب السياسي المعاصر، مما يستدعي تحرير محل النزاع بدقة.

ولتفكيك هذا الالتباس، يجب التأكيد على أن الحكم المدني يُفهم في المقام الأول على أنه نقيض للحكم العسكري المباشر، وليس بالضرورة نقيضاً للدولة ذات المرجعية الدينية. فالمدنية هنا تشير أساساً إلى طبيعة الهيكل السياسي ومصدر شرعيته وآلية عمله، بغض النظر عن المرجعية الفكرية للمجتمع.

ويمكن تعريف الحكم المدني تعريفاً وظيفياً محايداً بأنه: النظام السياسي الذي تُدار فيه الدولة من قبل مدنيين، وتكون فيه المؤسسات المدنية (التشريعية والقضائية والتنفيذية) هي صاحبة الولاية العامة في الحكم وإدارة الشؤون العامة، تحت سيادة دستور وقانون يُحاسب الجميع.

من هذا التعريف المحايد تتضح الأمور التالية:

1. في مقابل الحكم العسكري المباشر:

يتميز الحكم المدني بكون القيادة السياسية والعملية اليومية للدولة بيد شخصيات مدنية، بغض النظر عن خلفياتهم. بينما يتميز الحكم العسكري المباشر بسيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن:

­ الحكم المدني لا يضمن بطبيعته عدم الاستبداد، فقد يكون نظاماً مدنياً مستبداً.

­ الحكم العسكري المباشر لا يمنع نظرياً وجود فصل بين السلطات أو احترام لاستقلال القضاء، وإن كان ذلك نادراً في التطبيق العملي.

2. التمييز عن مسألة المرجعية الدينية مقابل العلمانية:

يمكن لدولة ما أن تكون (مدنية) في هيكلها (يحكمها مدنيون) وتستمد قوانينها من مرجعية دينية إذا كان الدستور الذي وضعه ممثلو الشعب ينص على ذلك. الخلاف الأساس هنا يدور حول (مصدر التشريع) وليس على (مدنية) هيكل الدولة ذاته.

باختصار، يمكننا أن نخلص إلى أن التعريف العلمي المحايد للحكم المدني يندرج في سياقه النظري ضمن التصنيف الهيكلي لنظام الحكم، وليس التصنيف الأيديولوجي لمحتواه. ويظل الفصل بين هذا المستوى الهيكلي من جهة، والمستوى الأيديولوجي (علماني/ديني) والمستوى الأدائي (ديمقراطي/مستبد) من جهة أخرى، السبيل الأمثل لفهم ديناميكيات النظم السياسية فهماً موضوعياً.

بعد هذا التعريف الموجز الذي حرّرنا فيه المفهوم من الالتباس، سنستعرض خلال هذا المقال في ثلاثة أجزاء المنعطف التاريخي الذي شهد بزوغ فكرة الدولة المدنية في صورتها الحديثة، وآليات انتقال هذا المفهوم عبر الحدود، حيث دعت نخب في مجتمعات مختلفة إلى تبنيه، برغم ما أثير حوله من إشكاليات تتعلق بعدم انسجامه الكامل مع السياقات التاريخية والثقافية لتلك الدول.

سوف نناقش في هذا المقال إشكالية التقسيم الحديث للدولة المدنية وفرضها على دول العالم النامي، كما يطرح شمولية الرؤية الإسلامية.

الجزء الأول: الخلفية التاريخية للنموذج الغربي للدولة المدنية

نستعرض في هذا الجزء المسار التاريخي الذي شكل النموذج الغربي، بدءاً من مرحلة (الحق الإلهي للملوك) ومروراً بالحروب الدينية وصلح وستفاليا، وصولاً إلى تحليل العوامل الجيوسياسية والهيكلية التي أتاحت لهذا النموذج أن يترسخ في الغرب.

تبدو سيطرة المدنيين على الحكم في الدول الغربية مسلّمة سياسية راسخة، لكنها في حقيقتها ليست نتاج تفوق أخلاقي أو فكري كما يظن البعض، بل محصلة لمسار تاريخي معقد تشكل عبر قرون من الصراعات الدموية والتجارب الفاشلة.

نحلل فيما يلي الأسباب الكامنة وراء تبني الغرب لنموذج الحكم المدني، متجاوزاً التعليل الأيديولوجي إلى تحليل تاريخي وجيوسياسي محايد.

من الحق الإلهي إلى العقد الاجتماعي:

عرفت أوروبا في عصورها الوسطى شرعية سياسية تقوم على (الحق الإلهي للملوك)، حيث تحالفت السلطتان الروحية والدنيوية في إطار من التنافس والصراع. فقد ادعى البابا الحق في عزل الملوك، بينما تدخل هؤلاء بدورهم في شؤون الكنيسة، مما أنتج بيئة سياسية ممزقة، جعلت من (الحق الإلهي) أداة صراع قبل أن يكون مصدراً للاستقرار. عندها اندلعت الحروب الدينية في أوروبا، وعلى رأسها حرب الثلاثين عاماً (1618–1648). هذه الحروب لم تكن مجرد صراع ديني فحسب، بل كانت محرقة أحرقت فكرة (الوحدة الدينية) كأساس للمجتمع السياسي الأوروبي. وعندما قتل ربع سكان ألمانيا في حرب بين الكاثوليك والبروتستانت، أصبح واضحاً أن الشرعية الدينية لم تعد مصدراً للاستقرار بل للدمار.

من هذا الرماد، برزت نظرية (العقد الاجتماعي) على يد فلاسفة مثل توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، لتدّعي تأسيس شرعية سياسية مصدرها الإرادة الشعبية للمواطنين، وليس (الحق الإلهي) الموروث للكنيسة والملوك، ولا القوة الغاشمة للجنرالات.

صلح وستفاليا (Peace of Westphalia) وتأسيس الدولة القومية:

مثّل صلح وستفاليا (1648) نقطة تحول محورية في مفهوم الشرعية السياسية. فقد أرسى مبدأ (دين الحاكم هو دين الرعية) كحل سياسي توافقي لإنهاء الحروب الدينية. لم يكن هذا الصلح مجرد تسوية دينية عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً عن سيادة الدولة وسلطتها فوق الدين.

كان يعني هذا المبدأ أن لكل أمير أو حاكم محلي الحق في اختيار الدين لدولته (الكاثوليكية أو اللوثرية)، ويجب على جميع رعاياه اتباع هذا الدين. ومن يرفض تغيير دينه، كان عليه بيع ممتلكاته والهجرة. هذا المبدأ مهد الطريق لظهور الدولة القومية ككيان مستقل متحكم في السلطة الدينية وسيادة الدولة العلمانية.

نجاح النموذج الغربي … عوامل مترابطة:

يعزو المناصرون لنموذج الدولة العلمانية في الغرب نجاحه إلى عدة عوامل مترابطة، يُبرزون منها:

أولاً، وفر استقرار الحدود والبيئة الجيوسياسية الملائمة تربة خصبة لبناء الدولة الحديثة بعيداً عن التهديدات الخارجية المباشرة. فبعد الحرب العالمية الثانية، وجدت دول كبرى مثل الولايات المتحدة (المحمية بموقعها الجغرافي الفريد) ودول أوروبا الغربية (تحت مظلة حلف الناتو) نفسها في حالة من الأمن الاستراتيجي النسبي.

ثانياً، في ظل هذا الاستقرار، نما تدريجياً نسيج مؤسسي ديمقراطي متين، يقوم على فصل السلطات واحترام الحريات العامة، مما أرسى تقليداً للتداول السلمي للسلطة.

ثالثاً، شكّلت الثورة الاقتصادية والصناعية محركاً حاسماً، حيث نقلت مركز الثقل في ميزان القوى من الاعتماد على القوة العسكرية الخشنة إلى بناء القوة الاقتصادية الناعمة، مما عزز بدوره استقرار النظم السياسية وشرعيتها.

لماذا تبنّت الدول الغربية النموذج المدني؟

في مواجهة منطق الحكم العسكري، يقدّم أنصار الشرعية المدنية رؤيتهم لمبدأ (توحيد السلطات) مستندين إلى حجج رئيسية ثلاث:

أولاً) التخصص الوظيفي: ينطلق هذا التصور من فكرة أن الدولة الحديثة تقوم على مبدأ تقسيم العمل. فدور الجيش محوري ومقتصر على الدفاع عن السيادة الوطنية، في حين تختص الحكومة المدنية بإدارة شؤون الدولة وتنمية مجتمعها.

ثانياً) توحيد السيادة في الإرادة الشعبية: لا يعني توحيد السلطات تحت قيادة مدنية إلغاءً للتخصص، بل تركيزاً للسيادة بيد من يمثل الإرادة الشعبية. وبالتالي، يتحول الجيش إلى أداة وطنية في خدمة إرادة الأمة، وليس شريكاً لها في الحكم.

ثالثاً) متطلبات التنمية: تستند هذه الحجة إلى أن إدارة الاقتصاد والمجتمع المدني تحتاج إلى الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالسياسات. ويزعم مناصرو الحكم المدني أن هذه الشروط الأساسية نادراً ما تتوافر في ظل الأنظمة العسكرية.

تأملات في التجربة السودانية: هل الحكم المدني هو الحل الأمثل؟

تُظهر التجربة السودانية أن السبب الجوهري للانقلابات العسكرية التي حدثت منذ الاستقلال لم يكن التهديدات الأمنية، بل هشاشة المؤسسات المدنية ذاتها. فحكومة الصادق المهدي الديمقراطية الأخيرة (1986-1989)، على سبيل المثال، واجهت انتقادات حادة بسبب عجزها عن معالجة الأزمة الاقتصادية المستعصية، واستمرار الحرب الأهلية في الجنوب، والاستقطاب السياسي الحاد. هذا الإخفاق في الإدارة هو ما مهّد الطريق شعبياً وسياسياً لانقلاب يونيو 1989.

الاستنتاج:

النموذج المدني الغربي ليس حتمية تاريخية قابلة للتعميم، بل هو نتاج ثلاثية متكاملة: ذاكرة تاريخية مليئة بجراح الحروب الدينية والاستبداد الملكي والعسكري، ضرورة هيكلية لبناء دولة حديثة معقدة قائمة على التخصص الوظيفي، وبيئة جيوسياسية مستقرة نسبياً سمحت بترسيخ هذا النموذج.

تتبعنا في هذا الجزء المسار التاريخي لنشأة النموذج الغربي، بدءاً من مرحلة (الحق الإلهي) ومروراً بالحروب الدينية وصلح وستفاليا، وحللنا العوامل الجيوسياسية والهيكلية التي أتاحت لهذا النموذج أن يترسخ، مختتماً بالاستنتاج أن هذا النموذج ليس حتمية تاريخية قابلة للتعميم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى