رأي

التمويل الأصغر في السودان بعد الحرب (3-4)  كيف نبني تمويلاً إسلامياً رقمياً دون أن نفقد أصالته؟

نعمان يوسف محمد **

في المقال الأول ناقشنا لماذا لم يعد النموذج التقليدي للتمويل الأصغر قادراً على الاستجابة لتعقيدات السودان بعد الحرب، وفي المقال الثاني قدمنا تصوراً لنموذج بديل أطلقنا عليه “التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن” وهو نموذج يقوم على تعبئة الموارد المجتمعية، وتوظيف صيغ التمويل الإسلامي، والاستفادة من التكنولوجيا المالية، وبناء مؤسسات أكثر قدرة على الصمود وتحقيق الأثر التنموي.

لكن أي نموذج مهما كانت قوته الاقتصادية لا يمكن أن ينجح ما لم يكن قادراً على الاندماج في البيئة التشريعية والشرعية والتقنية التي يعمل من خلالها. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:

هل تكفي الجاهزية الرقمية لإنجاح التحول نحو التمويل الإسلامي الرقمي؟

الإجابة في تقديري: لا..

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في توفر التطبيقات الإلكترونية، أو إنشاء المحافظ الرقمية، أو تطوير المنصات التمويلية فقط، وإنما في بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأصالة الشرعية والكفاءة التقنية.

إن القضية الأساسية ليست استبدال التمويل الإسلامي التقليدي بنموذج رقمي، وإنما تمكين الصيغ الإسلامية من العمل بكفاءة داخل اقتصاد جديد تختلف فيه طبيعة المعاملات، وأدوات التعاقد، وآليات إدارة المخاطر.

فالتمويل الإسلامي يمتلك ثروة كبيرة من العقود والصيغ التي تطورت عبر قرون، وأثبتت قدرتها على تنظيم النشاط الاقتصادي، غير أن معظم تطبيقاتها العملية نشأت في بيئة ورقية تعتمد على الحضور المباشر والإجراءات التقليدية. أما اليوم، فنحن أمام اقتصاد جديد:

– تُبرم فيه العقود إلكترونياً،

– وتُدار المحافظ عبر المنصات الرقمية،

– وتنفذ المدفوعات لحظياً،

– وتستخدم البيانات والذكاء الاصطناعي في تقييم المخاطر واتخاذ القرارات.

ومن هنا يظهر السؤال الأكثر دقة: هل نحتاج إلى ابتكار عقود شرعية جديدة؟

والإجابة في تقديري أيضاً بــلا..

فالاحتياج الحقيقي ليس إلى عقود جديدة، وإنما إلى إعادة توظيف الصيغ الشرعية القائمة داخل بيئة رقمية حديثة، من خلال اجتهاد مؤسسي يراعي مقاصد الشريعة ومتطلبات الاقتصاد الرقمي.

من تكييف العقود إلى تكييف البيئة الرقمية:

ظل الاجتهاد الفقهي عبر التاريخ يهتم بتحديد الأحكام المتعلقة بالعقود والمعاملات، وهو أمر طبيعي وضروري لضبط النشاط الاقتصادي. لكن التحول الرقمي يفرض أسئلة جديدة تتجاوز العقد ذاته إلى البيئة التي يتم فيها العقد، مثلا:

– كيف تتحقق شخصية المتعامل في البيئة الرقمية؟

– ما حجية الهوية الإلكترونية؟

– كيف يتحقق الإيجاب والقبول عبر المنصات؟

– ما طبيعة القبض في المحافظ الإلكترونية؟

– كيف تتم إدارة الوكالة الرقمية؟

– ما الضوابط الشرعية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التقييم الائتماني؟

هذه ليست قضايا نظرية مؤجلة، بل تحديات عملية ستواجه مؤسسات التمويل الإسلامي خلال السنوات القادمة. كما أن حماية البيانات والأمن السيبراني لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما متطلبات تقنية فقط، بل هما جزء من الالتزام الشرعي نفسه؛ لأن حماية الأموال، وصيانة الخصوصية، ومنع الضرر، كلها من مقاصد الشريعة الأساسية.

ومن هنا فإن الاجتهاد المطلوب لا يستهدف تغيير جوهر العقود الشرعية، وإنما تطوير البيئة التشغيلية التي تعمل من خلالها، بما يحقق التوازن بين الثوابت الشرعية ومتطلبات الابتكار المالي.

من أين يبدأ التطوير؟

إن نقطة البداية ليست البحث عن عقود جديدة، وإنما إعادة هندسة استخدام العقود القائمة بما يخدم أهداف التنمية.

فالابتكار المطلوب ليس ابتكاراً في الأحكام الشرعية، بل ابتكار في:

نماذج الأعمال.

آليات تعبئة الموارد.

طرق إدارة التمويل.

استخدام التكنولوجيا.

قياس الأثر التنموي.

ولهذا فإن نموذج التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن يميز بين مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: تعبئة الموارد.

المرحلة الثانية: توظيف الموارد.

أولاً: صيغ تعبئة الموارد.. تحويل المجتمع إلى شريك في التنمية:

تتمثل مهمة هذه المرحلة في جمع الموارد المالية من المجتمع وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج. وهنا تبرز أهمية المضاربة المقيدة باعتبارها إحدى الصيغ الواعدة لبناء منصات التمويل الجماعي الإسلامي. فمن خلال منصة رقمية موثوقة، يستطيع المستثمر تحديد المجال الذي يرغب في تمويله؛ سواء كان الزراعة، أو الصناعات الصغيرة، أو الطاقة المتجددة، أو الشركات الناشئة، أو غيرها من القطاعات الإنتاجية.

بينما تتولى المؤسسة المالية إدارة الأموال وفق القيود والشروط المتفق عليها. وبذلك تتحول المنصة الرقمية إلى قناة حديثة لتعبئة:

– مدخرات المواطنين

– مدخرات السودانيين في الخارج

– أموال الأوقاف

– الاستثمارات المؤثرة

وتوجيهها مباشرة نحو الاقتصاد الحقيقي. وهنا تظهر أهمية التمييز بين دور الصيغة الشرعية ودور النشاط الاقتصادي. فالمضاربة المقيدة ليست بالضرورة الصيغة التي تمول بها كل المشروعات، وإنما هي صيغة مناسبة لتعبئة الموارد الاستثمارية. أما استخدام هذه الموارد فيختلف حسب طبيعة النشاط الاقتصادي، والصيغة الشرعية الأكثر ملاءمة له.

ثانياً: صيغ توظيف الموارد.. اختيار الأداة المناسبة للنشاط المناسب:

بعد تعبئة الموارد المالية، تبدأ المرحلة الثانية من النموذج، وهي مرحلة توجيه هذه الموارد نحو الأنشطة الاقتصادية المختلفة.

وهنا تكمن إحدى أهم الأفكار التي يقوم عليها التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن: لا توجد صيغة تمويل واحدة تصلح لجميع الأنشطة، وإنما تختلف الصيغة المناسبة باختلاف طبيعة النشاط، ودرجة المخاطر، ودورة رأس المال، والهدف التنموي المطلوب تحقيقه.

فالمشكلة في كثير من التطبيقات السابقة لم تكن في الصيغ الإسلامية ذاتها، وإنما في استخدام صيغة واحدة لتمويل أنشطة متعددة تختلف في طبيعتها واحتياجاتها. ولهذا فإن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من منطق “تقديم التمويل” إلى منطق “تصميم الحلول التمويلية المناسبة لكل نشاط اقتصادي”.

المرابحة.. من تمويل الأصول إلى بناء سلاسل القيمة:

تظل المرابحة من أكثر الصيغ استخداماً في التمويل الإسلامي، غير أن تطوير دورها التنموي يتطلب تجاوز استخدامها التقليدي في تمويل شراء أصل أو سلعة منفردة.

فيمكن توظيفها لتمويل احتياجات الإنتاج ضمن سلاسل القيمة؛ مثل شراء المعدات والآلات ووسائل الإنتاج، أو توفير المدخلات الزراعية والصناعية، أو تمويل المشتريات الجماعية للمنتجين.

كما يمكن للمنصات الرقمية أن تسهم في تطوير هذا الاستخدام من خلال الربط بين الموردين والعملاء ومؤسسات التمويل، وتوثيق مراحل الشراء والتملك والتسليم إلكترونياً، بما يعزز الشفافية ويخفض التكلفة.

وفي القطاع الزراعي والصناعي تحديداً، يمكن للمرابحة المجمعة أن توفر حلاً عملياً لصغار المنتجين عبر توحيد الطلبات الشرائية، وتحقيق وفورات الحجم، وتقليل تكلفة المدخلات.

السلم.. تمويل الإنتاج قبل حدوثه:

يمثل السلم إحدى الصيغ المهمة التي يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة بناء القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والثروة الحيوانية وبعض الأنشطة التجارية. فهو يتيح تمويل المنتج قبل اكتمال العملية الإنتاجية، مقابل الحصول على المنتج في المستقبل وفق شروط وضوابط محددة.

وفي البيئة الرقمية يمكن تطوير منصات تربط بين المنتجين والممولين والمشترين، وتساعد على بناء علاقات إنتاج وتسويق أكثر استقراراً. كما يمكن استخدام السلم التجاري في تمويل عقود التوريد المسبق، بما يساهم في تطوير سلاسل الإمداد وربط الإنتاج بالأسواق.

الاستصناع.. تمويل الصناعة وإعادة الإعمار:

يمتلك الاستصناع أهمية خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، نظراً لارتباطه بتمويل التصنيع وإنشاء الأصول والمشروعات الإنتاجية. فهو يمثل أداة مناسبة لتمويل الصناعات الصغيرة والتحويلية، والحرف، والمشروعات المرتبطة بإعادة الإعمار، لأنه يسمح بتمويل إنتاج سلعة أو إنشاء أصل وفق مواصفات محددة.

كما يمكن للمنصات الرقمية أن تلعب دوراً مهماً في متابعة مراحل التصنيع، وجدولة المدفوعات، والتحقق من نسب الإنجاز، بما يرفع مستوى الرقابة والكفاءة.

المقاولة.. تمويل مشروعات البناء والتنمية:

تكتسب المقاولات أهمية خاصة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، حيث تحتاج البلاد إلى تمويل واسع لمشروعات البنية التحتية والإسكان والخدمات. وتختلف المعالجة الشرعية للمقاولات بحسب طبيعة المشروع، وقد تندرج في بعض الحالات ضمن الاستصناع أو العقود المركبة وفق الهيكل المناسب.

ويمكن للمنصات الرقمية أن تسهم في إدارة هذه المشروعات من خلال ربط المقاولين بالموردين، ومتابعة مراحل التنفيذ، وجدولة الدفعات وفق نسب الإنجاز

المشاركة.. من تمويل المشروعات الفردية إلى بناء الشراكات الإنتاجية:

تتيح المشاركة الانتقال من العلاقة التقليدية بين الممول والعميل إلى علاقة شراكة تقوم على تقاسم المخاطر والعوائد.

وهذا يجعلها مناسبة لتمويل التعاونيات، ومجموعات المنتجين، والمشروعات المشتركة، وسلاسل القيمة التي تحتاج إلى مشاركة أكثر من طرف في العملية الإنتاجية.

كما يمكن تطوير محافظ استثمارية رقمية تتيح إدارة هذه الشراكات بكفاءة أعلى، وتوفر للمستثمرين فرصاً للمساهمة في قطاعات إنتاجية محددة.

المضاربة.. تمويل ريادة الأعمال والابتكار:

تمثل المضاربة صيغة مهمة لتمويل أصحاب الأفكار والمشروعات الناشئة، حيث تجمع بين صاحب المال وصاحب الخبرة أو الفكرة الاستثمارية. وفي الاقتصاد الرقمي يمكن أن تصبح أداة فعالة لتمويل الابتكار، والشركات الناشئة، والمشروعات الصغيرة ذات إمكانات النمو العالية.

وهنا تبرز أهمية المضاربة المقيدة التي تمنح المستثمر قدرة أكبر على تحديد المجال أو القطاع الذي يرغب في توجيه أمواله إليه، بينما تتولى المؤسسة المالية الإدارة وفق ضوابط واضحة.

الوكالة بالأجر.. توسيع الوصول للخدمات المالية:

لا يقتصر دور التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن على توفير التمويل، بل يشمل أيضاً بناء شبكات فعالة للوصول إلى العملاء. وهنا تلعب الوكالة بالأجر دوراً مهماً في إنشاء شبكات من الوكلاء والمنصات الرقمية التي تقدم الخدمات المالية، وتدير عمليات التحصيل، وتساعد في الوصول إلى المناطق الريفية والنائية بتكلفة أقل وكفاءة أعلى.

وبذلك تصبح التكنولوجيا أداة لتعزيز الشمول المالي وليس مجرد وسيلة لتحويل الإجراءات الورقية إلى إجراءات إلكترونية.

اجتهاد جماعي.. لا اجتهاد منفرد:

إن بناء نموذج التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن لا يمكن أن يتحقق بجهد مؤسسة واحدة أو قطاع واحد.

فالمرحلة القادمة تحتاج إلى شراكة حقيقية تجمع على سبيل المثال وليس الحصر:

– الهيئات الشرعية

– الاقتصاديين

– المصرفيين

– خبراء التكنولوجيا المالية

– الجهات التنظيمية والرقابية

فالتحول المطلوب ليس مجرد تطوير منتج مالي، وإنما بناء منظومة جديدة تحتاج إلى توافق مؤسسي واسع.  ومن المهم التأكيد أن هذه التصورات ليست فتاوى شرعية بديلة، وإنما مقترحات اقتصادية وتشغيلية تفتح مجالاً للاجتهاد المؤسسي، وتساعد على تطوير تطبيقات التمويل الإسلامي بما يتناسب مع الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المتوقع للرقابة الشرعية المركزية في بنك السودان المركزي، ليس فقط في مراجعة التطبيقات الجديدة، وإنما في بناء إطار تنظيمي مرن يمنح الابتكار المالي الثقة الشرعية والمؤسسية، دون أن يتحول التنظيم إلى عائق أمام التطور.

رسالة إلى صانعي القرار:

يمتلك السودان اليوم فرصة تاريخية لإعادة بناء قطاع التمويل الأصغر بالتزامن مع مشروع التحول الرقمي الوطني. لكن النجاح لن يتحقق بمجرد رقمنة الخدمات المالية، أو تحديث الأنظمة التقنية، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين:

أصالة التمويل الإسلامي،

وكفاءة التكنولوجيا المالية،

وأهداف التنمية المستدامة.

فالتمويل في المرحلة القادمة يجب ألا ينظر إليه باعتباره مجرد وسيلة للإقراض، وإنما باعتباره منظومة وطنية لتعبئة الموارد، وتحفيز الإنتاج، وتمكين المجتمع، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود.

إن السودان لا يحتاج فقط إلى مؤسسات تمويل أصغر أكثر انتشاراً، بل يحتاج إلى مؤسسات تمويل تنموي أكثر تأثيراً.

في المقال الرابع والأخير..

بعد أن ناقشنا لماذا يحتاج السودان إلى التحول من النموذج التقليدي للتمويل الأصغر؟

وما هو نموذج التمويل التنموي الإسلامي الرقمي المرن؟

وكيف يمكن تكييفه شرعياً ورقمياً؟

يبقى السؤال الحاسم:

كيف تتحول هذه الرؤية إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ؟

وما الأولويات التشريعية، والمؤسسية، والتمويلية، والرقمية التي ينبغي العمل عليها خلال الفترة 2026–2030 حتى يصبح التمويل الأصغر أحد المحركات الرئيسية للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء السودان؟

وهذا ما سنناقشه في الحلقة الرابعة والأخيرة.

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى