رأي

الإنهيار الأخلاقي للمنظومة الأمريكية لمكافحة الإرهاب

د. حسن عيسى الطالب

إشهار استقالة عضو الحزب الجمهوري البارز والمرشح السابق لعضوية الكونغرس، جو كينت، مدير المركز القومي لمكافحة الإرهاب الذي تأسس منذ عام 2004م لتنسيق كافة أجهزة الأمن والاستخبارات وليعمل كحاضنة دولية لتنسيق العمليات وتبادل المعلومات مع كافة وكالات الأمن الحليفة، كإسرائيل و دول الشرق الأوسط وأوروبا ونشر الجواسيس في كافة أرجاء العالم، جاءت رداً قاسياً وغير مسبوق من داخل أركان الإدارة المقربين لترامب، وممن أشدهم تأييدا لحركة: “اجعلوا أمريكا عظيمة تارة أخرى MAGA” وذلك إثر تيقنهم القاطع بأن رئيسهم الذي انعقدت عليه الآمال، وظلوا يعاملونه كمهديٍهم المنتظر، تجاوز بنزواته الناشزة كافة الأعراف الدبلوماسية، والسلوكيات القانونية والأخلاقية المستقرة، من تلقاء تواتر خطابات الكراهية العنصرية الفاضحة من رأس النظام، وضد الجميع، بما في ذلك مواطنيه من الأمريكان السود والملونين. وشملت الإهانات العنصرية الشاهرة عموم شعوب أفريقيا الذين صُنِّفت دولهم رسميا لدى الإدارة “ببؤر القاذورات Countries Shit Hole” فضلا عن الإهانات التي طالت الصوماليين في ولاية منيسوتا، والتنمر على ممثلتهم في الكونغرس إلهان عمر، والسخرية الهازلة من حجابها في المؤتمرات الصحفية التي تعقدها الرئاسة وتؤمُّها كافة وكالات الإعلام والصحافة العالمية، تحقيراً لنساء المسلمين المحتشمات بأمر القرآن: “وليضرين بخمرهن على جيوبهن” – الجيب في اللغة فتحة الصدر – فضلا عن ترحيل الوافدين من أمريكا الجنوبية ودول العالم الثالث بالقوة القسرية، والتشهير بهم، وقذفهم بجرائم ترويج المخدرات والقتل والإغتصاب، ويتم سجنهم وترحيلهم مغلولي الأيدي والأرجل إلى محابس في دول ثالثة. ويتم ذلك في ازدراءٍ فاضح لقرارات المحاكم الأمريكية التي أصدرت أحكامها استنادا على بنود الدستور الأمريكي، فبرأت بعضهم واعترضت على سوء المعاملة والترحيل القسري ورفض تمكين المتهمين من الإتصال بمحاميهم ولا ذويهم، فأعلن الرئيس ترمب أن قضاة تلكم المحاكم ليسوا وطنيين بما فيه الكفاية، لأنهم ينصفون المهاجرين والمستضعفين من الأطفال والنساء المستجيرين بأمريكا، فأضحى حالهم كالمستجير من الرمضاء بالنار.

إذ تطاولت التجاوزات الترامبية على واثق الأعراف الدولية المستقرة، بما في ذلك مواثيق الأمم المتحدة، فشملت التهديدات المعلنة رسميا احتلال قرينلاند، وضم كندا لتكون الولاية 51 والتهديد باحتلال كوبا، بعد اختطاف رئيس فنزويلا واغتيال الزعيم الإيراني آيَة الله علي خامنئي إثر الإعتداء الغادر على بلاده، فضلا عن تسييس التصنيف في قائمة مصادرة الأصول الأجنبية OFAC لمن يُرمون بالإرهاب، خلافا لآراء واستشارة الخبراء وأهل الاختصاص في الإدارة.

ويجري ذلك رغم اعتراض عديد أعضاء الكونغرس في الحزبين، وتجاوز القوانين الأمريكية بإعلان الحرب على الدول الأجنبية.

 

ويضم المركز الوطني لمكافحة الإرهاب قاعدة معلومات ضخمة تضم قرابة مليون ونصف من الأسماء والعناوين لمنظمات وشخصيات يُعتقد أنها إرهابية، أو مهددة للأمن القومي الأمريكي، ومن ضمنها منظومات أمريكية محلية. ومن تلقاء ذلكم تم تصنيف “منظمة مكافحة الفاشية” ANTIFA التي تضم عضويتها ناشطين أمريكيين مناهضين لسياسات ترامب ضد المهاجرين وتجاوزات حقوق الإنسان.

بيد أن الطامة الكبرى جاءت إثر اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، والإعتداء السافر، الذي جاء بتحريض بنيامين نتنياهو، على إيران، واغتيال إمام الشيعة الأكبر آيَة الله علي خامنئي، ثم تضخم القوائم بإلقاء تهم الإرهاب الجزافية ضد كل من يعارض تلكم السياسات الهمجية.

 

ولذا فإن استقالة المدير التنفيذي للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب التي نصّ فيها صراحة على اعتراضه على الإعتداء على إيران، وأنه لم يتم بقرار أمريكي، بل بضغوط من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو واللوبي الصهيوني في واشنطن. فذكر في بيان استقالته أنه قرر ألا يكون شريكا في حرب تدميرية أخرى لأمريكا بعد غزو العراق عام 2003م.

فهذا الموقف يمثل هزيمة أخلاقية لإدارة ترمب، ويضعف ثقلها الدبلوماسي في أوروبا وفي بقية دول العالم. وسيكون المستفيد منه بلا شك هو الصين وروسيا والدول الصاعدة الأخرى المناهضة للتوجهات الترامبية، ومنها البرازيل التي أعلن رئيسها، لولا دا سيلفا، صراحة إدانته لسلوك إسرائيل والإدارة الأمريكية بالإعتداء على إيران.

بيد أنه من المعلوم لدى المختصين في تأريخ نشوء وهلاك الدول وآجال الأمم، هو أن إرهاصات ضعف الدول والتحولات التي تكتنفها في مسيرتها الحياتية ونهايات آجالها تبدأ باكرا، وعادة تشتمل على مغامرات غير محسوبة، تمليها وساوس الإستعلاء لدى من يحكمونها في عصور التردي، فيستدعون في مخيلتهم إنجازاتها التي حققتها أيام فتوتها الغالبة، فتنقلب عليهم موازين القوى المناوئة التي لم يحسبوا لها قدرها، فتحيق بهم الهزائم غير المحتسبة.

وقد حدث مثل ذلك للإمبراطورية الرومانية عندما هزمها الفرس أيام هرقل في القرن السابع الميلادي حوالي عام 638م فسطر القرآن تلك الحادثة: “غُلبت الروم في أدنى الأرض” الآية 2 – سورة الروم- فكانت تلكم هي البدايات المعلمة للضعف، والمؤذنة بتلاشي الإمبراطورية، التي دخل كسرى أبرويز عاصمتها القسطنطينية، وبنى فيها بيت النار، وهدم كنائسها. ثم جاءت بعد ذلك الدولة الإسلامية فأجلت جيوش الروم وسلطتهم المترنحة من بلاد الشام وفلسطين، ثم افتتح السلطان العثماني محمد الفاتح القسطنطينية في منتصف القرن السادس عشر، فتلاشت امبراطورية الروم من كل الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى