رأي

ما بعد الأحزاب (1)

د ياسر يوسف إبراهيم

ينطلق هذا المقال من فرضية راكزة ترى أن الأحزاب مهمة في مسيرة بناء الوطن ، ولكن أحزابنا اليوم غير قادرة على القيام بذلك الدور المهم لأسباب شتى، كما أنه يرى أن ضعف هذه الأحزاب أدى إلي عسكرة السياسة، وتقوية التنظيمات الأهلية ذات التعبير السياسي ، وأعطي مجالا لظهور قوى صغيرة العدد وكبيرة التأثير لتحالفها مع الخارج ضد البلاد ..

‏ منذ بواكير الإستقلال ولمدة طويلة ظلت الأحزاب السياسية السودانية بجميع توجهاتها الفكرية، الملمح الأبرز للمشهد العام في بلادنا ، كما ظلت واحدة من مؤسسات التماسك القومي بغض النظر عن ضعفها التنظيمي وقلة عائد مردودها الوطني، ولكنها ظلت ساحة لإجتماع السودانيين حول الأفكار الجامعة ومحلا للآمال الوطنية وخطوة نحو إستكمال البناء القومي علي أسس وطنية تتجاوز الإنتماءات الصغيرة القائمة علي الولاءات القبلية والمصالح الجهوية ..

‏ وقد تكونت الأحزاب السودانية في ظل صراع الأفكار الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية حيث تصاعدت مطالب الشعوب المستعمرة بنيل إستقلالها والتحرر من الإستعمار ، كما تبلورت في تلك الفترة الإنقسام العظيم  (بلغة الكنيسة) بين الرأسمالية والإشتراكية الذي ألقى بظلاله على العالم الثالث ، في ظل تلك الظروف ولدت الأحزاب السياسية السودانية بينما كان السودان ينتظر ميلاد الإستقلال، وتشكلت الساحة السياسية بنوعين منها ، الأحزاب التقليدية (الأمة والإتحادي) والأحزاب العقائدية الحديثة (الشيوعي، الإسلاميون والبعث العربي) ، وطوال فترات الحكم الوطني كان جزء كبير من العمل الوطني يدور حول هذه الأحزاب حتى وهي خارج السلطة في الفترات التي حكمت فيها المؤسسة العسكرية، ذلك أنها ظلت في وعي الشعب هي الآلية المناسبة للتعبير عن القضايا الوطنية والوسيلة المثلى للتنافس السياسي الحر ، علي أن الأهم من ذلك هو اعتبار هذه الأحزاب واحدة من ممسكات الوحدة الوطنية في البلاد ، إذ أنها تَجمُّع مدني متجاوز للإنتماءات الصغيرة القبلية منها والجهوية ، ومحضن للأفكار التي تحض علي المحافظة على الوحدة الوطنية والتمسك بالدولة الحديثة بجميع شروطها ، وخاصة حصر القوة والسلاح في يد الدولة وعدم التسامح مع التكوينات العسكرية خارج مؤسسة الجيش حتي ولو تم الإختلاف معها ..

‏ولكن المتابع الحصيف للتطور السياسي في بلادنا سيلاحظ أن الأحزاب ما عادت بتلك القوة في قلوب الشعب ، بل وفقدت ذلك التأثير على توجهات النخب المثقفة، وترتب على ذلك ثلاث نتائج مخيفة هي عودة التنظيمات الأهلية والقبلية لتغطي فراغ العمل الحزبي ، وعسكرة السياسة بالكامل حين صار شرط الحصول علي الوظيفة السياسية مربوط بإمتلاك (قوة عسكرية) ، بجانب صعود قوى صغيرة الحجم لكن عظيمة الخطر علي البلاد لتنسيقها مع الخارج صاحب الأجندة الخبيثة ضد البلاد ومستقبلها ..

‏ وتتجلي خطورة هذه النتائج في تهديد الوحدة الوطنية من ناحية ، وبتأخير إستكمال بناء الفضاء المدني الذي يعتبر شرطا جوهريا للنهضة والبناء الوطني السليم من ناحية أخرى ، من المفهوم أن واقعنا اليوم ونحن تحت الحرب يتطلب التعامل مع هذه الحقائق بحكمة عالية ونظر للواقع بجميع تحدياته الماثلة ، ولكنه لا يعفي المسؤولين من إجتراح طرق لمعالجات بنيوية متوازنة تحافظ علي تماسك الجبهة الوطنية التي تتناصر بعضها البعض خلف الموقف الوطني السليم المساند للجيش والداعم للشرعية، وفي نفس الوقت العمل على معالجة الخلل الذي يعتري التركيبة السياسية.. ‏والسؤال الذي يجب البحث عن إجابة له كيف وصلنا إلى هذه النقطة المخيفة ؟

‏كان إلتقاء الأحزاب السياسية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في ميثاق أسمرا عام 1995 نقطة مهمة كسرت مسلمات السياسة السودانية التي تميز بين المعارضة السياسية وبين حمل السلاح ضد الدولة والإستنصار بالأجنبي، لم تنظر المعارضة وقتها إلي خطورة ما أقدمت عليه حين شرعنت للعمل العسكري وفتحت الباب أمام اللامعقول في سياق معركة مفتوحة مع حكومة الإنقاذ ، فأباحت (بيع الأسرار الوطنية للخارج) وبدأت حملة التقليل من القوة المعنوية للجيش الوطني ..

‏النقطة الثانية والمهمة هي إندلاع الحرب في دارفور ، وظهور حركات تعمل علي (تدوير السلاح) من حركة لأخري ، مع إحتفاظ الحركات الكبري بجيوشها وعدم تنفيذ برنامج الدمج (ولا شك أن هذا خطأ تتحمله السلطات الحكومية) ..

‏ولأن الأحزاب آثرت العاجلة علي ما هو إسترتيجي لم تنتبه إلى أن نشوء حركات إقليمية مدججة بالسلاح يعني تآكل قاعدتها الشعبية وسحب التأييد التاريخي الذي ظلت تتمتع به كممثل مقبول للجماهير في الأصقاع والبوادي ، ومن ناحية أخرى فإن تطاول أمد الحكومات العسكرية أثر علي النمو الطبيعي للأحزاب وإستقرار هياكلها ..

‏المأزق الذي تعيشه الدولة السودانية اليوم هو أن السياسة فيها صارت مرهونة لمنطق القوة العسكرية ، أو للتأثير الجهوي ، أو بالإستقواء بالخارج ، وما لم يتم تفكيك هذه البني بالتراضي والحوار فإن عاقبتها ستكون مزيدا من الحروب وعدم الإستقرار ، نحتاج اليوم كسودانيين أن نتراضي بالحوار علي أسس سليمة للعمل السياسي تجعل جميع السودانيين علي قدم المساواة في الحقوق والواجبات ، ومن ثم نتفق علي أدوار المؤسسات المختلفة وفقا لما يحقق مصالحنا العليا ويحفظ إستقرار بلادنا ..

‏هل يمكن القول إن الواقع تجاوز الأحزاب ، وأن الثورة التكنولوجية التي زادت مساحة الوعي وسط الشباب تتطلب آليات جديدة للتعبير عن الجماهير ؟
‏في رأيي أن الدولة القوية التي هي شرط للنهضة تحتاج إلى مؤسسات قوية راسخة ، فبمثلما تحتاج إلى جيش قوي في تسليحه مدعوم من شعبه مقدر في جهده تحتاج في نفس الوقت إلي أحزاب وطنية قادرة على التعبير عن قضايا الجماهير تمارس الديمقراطية الداخلية قبل أن تطالب بها علي المستوي التنافسي العام ، وفي وضع كوضع السودان لا تزال فيه الدولة في مرحلة التشكل يستحسن أن تكون هذه الأحزاب قومية البرامج والتكوين تعبر عن جميع أهل السودان وتستوعب تنوعهم الفكري والإثني ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى