النجاة عند الفجر الأول

أميمة عبد الله
كأن المدينة مهجورة منذ مائة عام ..
مهملة منسية، قديمة بلا معالم واضحة ولا وجهٍ معلوم.. كأن حريقاً شبّ فيها فتحولت إلى رماد أو كأن جوارح نهشتها فأخرجت أحشاءها، أو عمها وباءٌ قضى على أهلها .. مدينة مُسقطة من التاريخ يغطيها رمادُ متراكم تغوص فيه عظام بشرية.
كنت واقفة على مدخلها، البوابات مشرعة، تتقاذفها رياح عشوائية الحركة، الخراب عنوان المكان ولا أحد، فارغة من كل شيء، كأن الجميع هربوا من طوفان أو مجاعة أو طاعون وتركوها للريح.
خيوط الدخان في الفضاء ترتفع منتشرة في الأعلى، غطت على فضاء المدينة وبدأت تتغلب على خيوط الشمس الأخيرة، على شكل دوائر متداخلة، دوائر أخذة في الارتفاع والانتشار، دخان لا ينكسر بالأبنية، لقد تمكّن من المدينة.
إلا أنني كنت قادرة على التنفس، أتابع دوائر الدخان وهي تنشطر على ألسنة تتعاظم ويزداد اتساعها حتى اكتمل ابتلاعها لصفاء الفضاء، كان كل شيء منسحباً لصالح تلك الدوائر، عندما أتم الدخان انتشاره من حولي لم أكن أشعر بقلبي ولا دقاته، كأنه مخلوع عند بوابات المدينة.. وكان عقلي عاطلاً عن إنتاج أية فكرة، أو أنه كان يرى أن أية فكرة تبدو ساذجة بلهاء أمام ابتلاع الدخان للمدينة ..
أين الناس؟
مَـن أسال؟ ولا أحد هنا..
المكان صامت صمت التوابيت، الدخان يلفني، يحتويني وقد بدأ يتسرب إلى جوفي مع هبوط الظلام، قلبي بدأ يعود إليّ مغشياً عليه من الرعب، تدفق الخوف في الشرايين كجداول الماء، تحسست بطني وكأنها ستنشق ليخرج منها الصديق، الطفل الذي أخبرتني به العرافة قبل دخول المدينة المهجورة ..
لكن الدخان سيخنقه، نبهتها..
لا، بل سينجو
لم أعد قادرة على الرؤية، المباني والأبواب والسماء كله محجوب عني بالظلام.
كنت أحاول أن أطرد الدخان من أمامي، إنني أغرق الآن تماما فيه.
استيقظت لاهثة، إنها أحلام الخوف مرةً أخرى تعود، الباطن تترجمه الأحلام، هواجس الجنجويد تجعلها غاية في الرعب، كنت متكورة على نفسي وكأنني أطلب الحماية من النوم والأحلام ومنهم، حاولت أن أمدد رجلي لكنني عجزت، ظللت مستلقية، متكورة، الخوف المتدفق يشلّ الحركة ويسلب الطاقة ويكمش الأعضاء على بعضها، أشعر أنني ضائعة في قبضة الخوف، يا الله، كأنني في أعماقٍ بعيدة، ظلمات بعضها فوق بعض، لا ملجأ منهم، كالجراد منتشرين في المدينة، من أقصاها إلى أقصاها، من نجى منهم آتاه حظ الدنيا كله، ومن وقع في قبضتهم، قدره آلا فكاك، بكيت دون صوت، الدموع كانت تنزل على الجانبين، خشيت أن يسمعوا صوت بكائي فيأتون.
إنهم مرعبين .. يا الله
كيف النجاة منهم، الباطن يشتعل بالخوف والعجز والرجاء..
بينهما خيطٌ رفيع، الترقب وفزع القلب، اليقين وانقطاع الرجاء، البرزخ نحو النجاة أو الهلاك، آخر خيوط العتمة وبزوغ الفجر الأول.
تتكرر أحلام الخوف لكنها في كل مرة تأتي مختلفة عن الأخرى، تجثم على صدري كجبل من حديد، أحيانا تأتيني على هيئة أشكالهم الشيطانية، يلاحقونني وأنا على جسر معلق، أو يحاصرونني في مكانٍ ضيق، أو يدفعونني نحو الهاوية.. كوابيس لم تفارقني منذ أن قفزوا من فوق جدار الشارع أول مرة، صار الناس في عالم ونحن مع الجنجويد في عالم يختلف كليةً، البيت أصبح كئيبا، الماء شحيح ولا كهرباء، نعيش على ضوء الشمس نهاراً ونور القمر ليلاً، لا فرن يبيع لمن تبقى من الناس الخبز ولا أحد يطرق الباب ولا سوق للخضار، لا شيء مطلقا، حتى اشتهاء شراب كوب من الشاي أصبح أمنية مستحيلة، الشمس والنهار وحدهما الأمل، في الضوء بعض أمان..
ظلام كثيف، كل شيء من حولي ساكن جاف، البيوت من حولنا، الطريق، الهواء، حتى الأشجار جفت فروعها واختفت الدواب والطير والقطط من المدينة كلها، هنا لا شيء يوحي بالحياة، مَن حالفهم الحظ تمكنوا من الهروب، نجوا منهم، الموت هنا هو الرجاء الأكثر حضوراً، لكن القدر الآن هُم، العتمة سيدة المكان، الخوف يخنق قلبي، الترقب يعيق تنفسي، السكون من حولي ينفجر في داخلي إلى أصواتٍ مدوية وإلى تحذير، يمكن أن يأتوا في أية لحظة، يتجولون في الليل كالذئاب الضالة المتوحشة، يقودون سياراتهم بلا مصابيح، عيونهم مصابيح الشر تلمع كأنهم ظفروا بفريسة سمينة، يستلذون بهلع الناس منهم، توشك نفسي أن تنخلع من الخوف، تتخيل إلىّ رائحتهم، إنها نفاذة، تعلق لأيام في الفضاء، أحس بهم كأنهم يقفزون الآن علينا من جدار الشارع.
لأجسادهم رائحة غريبة، تفوح من أنفاسهم كأنها رائحة جثة متعفنة ..
للرائحة ذاكرة وصورة، لقد تمثلت هذه الرائحة فيهم دون سواهم.
شعورهم المنسدلة على أكتافهم، لهجة بعضهم غير المفهومة، جموحهم غير المحدود في إذلالنا، رغبتهم العنيفة في صفعنا كلما دخلوا علينا، ضحكاتهم مع بعضهم وهم يصوبون بنادقهم تجاه كل شيء يقع عليه بصرهم، آثار الرصاص على كل حوائط البيت والسقف، أنفاسي مكتومة، حاولت أن استنجد بما أحفظ من آيات الله، لكنهم القدر الآن ولا فكاك.
أحس أنفاس الصديق، تصلني منتظمة، يهرب بالنوم منهم، لقد شاخ وكأن عمره ستين عاماً، الأهوال أضافت على عمره أربعين عاماُ، كأنه إبني وليس أخي، لقد توقف عن الكلام منذ شهور، منذ قدومهم وضربهم المبرح له، لم يكن يسمع والآن هو لا يتكلم، عيناه فقط تتحركان بشكل دائري، كان صفعهم لأخي كأنه تسليتهم، كفة يدهم من صلابتها كأنها من حديد وليست يد بشر، لم يكونوا يعرفون من الدنيا سوى حياة البهائم، لذلك لم يروا من قبل شخصاً مصاباً بالتوحد، أعجبتهم فكرة مرضه، قالوا ما سمعنا به من قبل، قالوا لي تكذبين علينا ..
“يعني نحن ما بنفهم، دا ياتو مرض دا؟ ”
ظنوني كاذبة، لذلك صار تسليتهم، كأنهم يأتون فقط لأجل صفعه، لأن يمتعوا أنفسهم البهائمية بسقوطه تحت أقدامهم عند صفعه بقوة، عيناه كانتا تختفيان في مغارة بعيدة، تهربان إلى أبعد بقعة في الأرض، لم يكن يفهم لكنه كان في كل مرةٍ ينكمش على ذاته، لو أنه يطاوعني في محاولة الفرار.
الجدار من أمامي كان ينهد كلما سقط على الأرض من قوة الصفعة، تغادرني روحي لتحميه، لو تفديه، لو أستطيع، قلبي ينزف ودموعي بعد مغادرتهم لا تتوقف، إنه أخي ولكم كنت أتمنى لو أحمله وأركض به بعيداً عن الدنيا كلها، لكنه المرض وعدم إدراكه والحرب، وعندما يكون العدو الجنجويد، تكون الأرواح هي اللعبة ثم لا نجاة إلا بالموت.
لم يكونوا قادمين من المجهول ولا من خارج الكون، كانوا جوارنا ومعنا، ولكل زمانٍ مغول وكانوا مغول هذا الزمان.
في منتصف أبريل، عندما سيطروا على ولاية الخرطوم، المداخل والمخارج، بسطوا وجودهم على الشوارع الرئيسة، بداية سيطرتهم تركوا الأسر المغادرة تخرج وبعدها أطبقوا علينا كالمصيبة، أو كالجبال عندما تجتمع، كل البيوت تحت سيطرتهم، رهن رغباتهم، البيوت التي لا يجب أن تنام ولا أن تحيا ولا أن تموت، نحن لعبتهم وتسليتهم.
في أحد الصباحات الماطرة، كأنني أسمع صوت الباب الخارجي، شخصٌ ما يحاول أن يفتح الباب، هبط قلبي بين قدمي، جريت ناحية الصديق، كان ساكنا في طرف السرير، ينظر ناحية الفراغ، لا يلتفت ناحيتي مطلقا، ولا تقع عيناه علىّ أبدا.
صوت المحاولة يرتفع، يلح في فتح الباب ..
افتحي يا رقية
يا ويحي إنها زينب، أختي، انفطر قلبي، تشتت الهواء من أمامي، قطعتُ المسافة في خطوة واحدة، أزحت الحجر الثقيل وفتحت الترابيس، رفعت قطعة الحديد من على المزلاج فانفتح الباب ..
تغير شكلها كثيرا، شاخت وأبيض شعرها، سقطت جفونها وغزت التجاعيد وجهها، لا يكاد ثوبها الذي تتلفحه يسترها، بيديها ارتعاشه وفي عينها اليمنى حول لم يكن عندها..
سندتها، أغلقت الباب ودخلنا
.. لقد خرج منذ شهر ولم يرجع، حبسوني في البيت وأخذوا كل شيء، لقد هربت منهم يا أختي، لم يرحموني،
تعثرت عند العتبة وكادت تسقط، لهفي عليك،،
زوجها الأمين اختفى، يا حملها الثقيل، سألتها كيف حدث ذلك؟
لم تجب كانت تبكي فقط، وكأن بي باقِ، لقد استنفدتُ دموعي كلها يا زينب.
لا تبكي سيخاف الصديق
أصبح لخوفنا رفيق، انضمت إلينا زينب، كان الصديق ينظر إليها ولا ينظر، لم يتحرك من مكانه، نادراً ما يتحرك من مكانه، ركنه منذ سنوات، لا يعرف غيره.
إنه في عالم بعيد
فزع قلبها عندما رأته، سألتني عنه، كان الصديق قطعة من قلب أمي، أوصتنا عليه وهي على فراش الموت، آخر ما قالت قبل الشهادة،
حافظوا عليه،
وماذا أفعل يا زينب، إنهم الجنجويد، سلبوه ما تبقى من إدراك ..
صمتت، وصمتُ وصمتت الأركان والأعمدة، بل صمت الكون كله .. وحده الخوف ناطقاً. وهل يبقى البيت بيتاً إذ انهد أمنه؟!
حاولت أن أصنع لها شيئا تأكله، لم يكن عندنا إلا بعض دقيق وزيت عليه عِتة ومرق.
أكلت العصيدة رغم العِتة لكن الصديق لم يأكل، لا أذكر متى آخر مرة أكل فيها..
مع مغيب الشمس انكمش على نفسه، الظلام والترقب والرعب، ربما في هذه الليلة يأتون، هكذا نبهتُ رقية
يا ويحي، قالت واضعةً يديها على رأسها
أما كفاهم أخذهم الأمين وضربي يوميا وحبسي، عادت للبكاء ثانية. ظلت تبكي والدموع تجري منها وتنوح حتى نامت على الكرسي من التعب. ظللتُ جالسة أمامها، تغيرت ملامحها كليةً، شحبت واسودّ جلدها وبانت عظام وجهها، برز فكها للأمام وفقدت عيناها الكثير من النور كأنها ليست أختي.
لم تسألني عن حالنا وما حكيت لها شيئا، ما ترك بكاؤها ليّ سانحة للحكي.
مالت الشمس وبدأت الأشياء تغيب، الأوقات تمر ببطء، لقد أتم الظلام انتشاره إنه أوان حضورهم.
كأنني انعس، لكن كيف أنام وزينب والصديق كأنهما في الدنيا وليس فيها؟!
سمعتها تشهق، طار ما تبقى مني، للخوف ولليل أحكام، اكتمل هبوط الظلام على ليلٍ أحلك منه.
رائحتهم!!
لقد جاؤوا!!
وتمر دقائق، بل يُخيل إلىّ أنها ساعات بل ليلُ كامل بل وقتٌ لا نهائي، قبل أن أسمع ارتطام أحذيتهم داخل البيت، لقد تسلقوا كعادتهم وقفزوا.
الصديق في نومه، يهرب منهم بالنوم، كأن لم يسمع سقوط قلبي ورعد نبضاتي وقصف الخوف، كأنهم لم يسمعوا بكاء البيت والجدران وعيوني، من ينام في ليل الجنجويد يا أخوتي ومن يأمن!؟
فزعت زينب عندما هشموا آخر زجاج سليم على النافذة الواقعة قبالة سريرها.
قالوا كلاما لم أفهمه، لكنني قفزت من سريري دون أن أعرف كيف وفتحت لهم الباب.
دخلوا كما الوباء، كانوا يعرفون المكان جيدا، ذهبوا مباشرةً تجاه الصديق، أيقظوه وهم يضحكون، جميعهم يتحدثون في وقت واحد ويلوحون، كانوا ثمانية ..
أحدهم أوقفه ثم باغته بصفعة قوية، ثم الثاني، قامت زينب دفعةً واحدةً لتحول بينهم والصديق، لم تحتمل، لكنه صفعها حتى وقعت تحت أقدامهم، داس على وجهها بحذائه العسكري حتى أزبدت.
الآخر أطلق على ساقها رصاصة صرخت، ارتدت في الأركان وعادت كأنها صرخة القبر، ليت زينب كانت تعرف أن الصراخ يهيجهم كالضباع الجائعة على الفريسة.
اتبعها بطلقة أخرى على جبينها فتهشم وتفجرت الدماء، غاب الصديق، بركت على ركبتيّ وسقطتُ في قعر سحيق، ولم أعد أسمع، خرجوا وهم يتمايلون.
يا للهول زينب، أختي!
سال دمها قريباً مني، هبطت السماء علىّ وانفطرت، غارت أركان البيت، وعمّ الدخان الأسود الفضاء، تدفق حاراً، لمسته بيدي وجاء طعمه في حلقي ..
يا زينب
غابت الحياة وانسربت خيوط الفجر الأول من بين الشقوق
قام الصديق من غيبوبته، فتح عينيه على اتساعهما، سار تجاه الباب، التفت وللمرة الأولى منذ بداية الحرب ينظر ناحيتي مباشرة، مد ليّ يده.
خرجنا مع آخر العتمة وبداية خيوط الفجر علّنا ننجو.



