أبوظبي وحرب السودان … يجب طعن الفيل لا ظله

د.الهيثم الكندي يوسف
المتابع للأوضاع في السودان يدرك أن الحرب ليست مجرد نزاع داخلي بين فصيلين مسلحين بل هي في الحقيقة حرباً بالوكالة تدار خيوطها من خلف الحدود، فبينما تتوجه الأنظار نحو مليشيا الدعم السريع كأداة للتدمير المباشر تظهر من الخلف الجهة التي توفر الغطاء السياسي والمالي واللوجستي لهذا المشروع، وهو الدور الذي تقوم به سلطة أبوظبي حيث تتجاوز علاقتها بمليشيا لدعم السريع التحالف العابر إلى التبني الاستراتيجي بغية تحقيق عدد من الأهداف هي السيطرة على موارد السودان (خاصة الذهب والموانئ) وإضعاف الدولة المركزية السودانية لتمرير أجندات إقليمية مما يجعل من الوكيل المحلي مجرد واجهة لمشروع أجنبي يستهدف إضعاف البلاد وتفتيتها.
إلا أن السؤال المهم هو ماذا فعلت الدولة السودانية حتى الآن لمواجهة كل ذلك؟
اتسمت تحركات الدولة السودانية (القوات المسلحة والدبلوماسية الرسمية) في مواجهة هذا المخطط بمسارين:
المسار العسكري: الصمود في وجه الهجوم الواسع وكسر تفوق المليشيا ودحرها عسكرياً حتي كردفان وتخوم دارفور رغم الضغوط الهائلة وحملات التضليل الإعلامي التي تبنتها أبوظبي وقنواتها الإعلامية وظهيرها السياسي (قحت)، بخلاف العمل العسكري الذي وفرت له من الأسلحة المتطورة ما لا تملكه جيوش الكثير من الدول.
المسار الدبلوماسي: فقد عملت الدوله السودانية علي كشف التدخلات الخارجية عبر المنصات الدولية (مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن) وتقديم أدلة على تورط أبوظبي في إمداد التمرد بالسلاح عبر المطارات الحدودية لدول جوار السودان وعبر استجلاب المرتزقة من شتى بقاع العالم.
الآن وبعد مرور ثلاث سنوات من الحرب وإصرار سلطة أبوظبي للسير في هذا الطريق فإن السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي ينبغي فعله؟..
لمواجهة هذا الاعتداء الوحشي والممنهج لا بد للدولة السودانية من تبني استراتيجية المواجهة الشاملة التي تركز علي التالي:
وضوح الرؤية:
يجب على الدولة السودانية تسمية الأشياء بمسمياتها فأبوظبي هي العدو الأول للسودان فعلياً وليس الدعم السريع وهنا يجب أن يكون الخطاب السياسي واضحاً دون لبس أو تشويش بما يمكن من صياغة إستراتيجية للتعامل مع أبوظبي وفق ذلك.
تعبئة الجبهة الداخلية:
إن سلاح الدولة الأقوى هو الإرادة الشعبية حيث أن توحيد الصف الوطني خلف مؤسسات الدولة وتعرية الوكلاء ومن يقف خلفهم أمام الرأي العام المحلي من شأنه إسناد الحكومة والقوات المسلحة للقيام بدورها في إجهاض المؤامرة.
التحول نحو اقتصاد الحرب:
لتحقيق تعبئة الجبهة الداخلية التي ذكرتها يجب أن تدار الموارد المتاحة بكفاءة لدعم المجهود الحربي واستغلال قوة الدولة الشاملة لمواجهة المليشيا ومحركها الخارجي.
الملاحقة القانونية:
توثيق كافة الجرائم ضد المدنيين وتدمير البنية التحتية لرفع قضايا تعويضات دولية ضد سلطة أبوظبي (في المحاكم المختصة) باعتبارها شريكاً أصيلاً في جرائم الحرب.
هجوم دبلوماسي قوي:
الانتقال من وضعية الدفاع إلى الهجوم في المحافل الدولية والمطالبة بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على سلطة أبوظبي بسبب تورطها في تخريب السودان ودورها في الجرائم والانتهاكات الجسمية التي حدثت.
سلاح الاعلام:
يمكن فضح دور أبوظبي إعلامياً عبر توثيق جرائم المليشيا ونشر تقارير استقصائية مدعومة بالادلة وكشف القواعد اللوجستية الحدودية التي توفر عبرها السلاح والمرتزقة. كما يجب استغلال منصات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة لربط التمويل الذي تقوم به بالجرائم الحقوقية والانسانية والضغط لفتح تحقيقات شفافة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه تلك الجرائم.
بناء تحالفات مضادة:
تعزيز العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية التي ترفض سياسة أبوظبي بالتدخل في شؤون الدول لخلق توازن يحد من نفوذ وأطماع سلطة أبوظبي وهنا يمكن الاستفادة يصورة أكبر من المحور السعودي التركي المصري.
الاستهداف الاقتصادي:
بما أن لأبوظبي أهداف إقتصادية تتمثل في الذهب والمواني والموارد الزراعية فإن الرد يجب أن يشمل استهداف هذه المصالح عبر تشديد الرقابة الأمنية على مناطق إنتاج الذهب لمنع تهريبه إلى أبوظبي وتحويل مسارات تصديره إلى أسواق بديلة لضمان عدم استخدامه لتغذية المجهود الحربي للمليشيا. كما يجب مراجعة الاتفاقيات والاستثمارات في الموانئ والزراعة وتعليق أو إلغاء أي امتيازات أو عقود استثمارية لشركات مرتبطة بأبوظبي واستبدالها بشركاء من دول التحالف المضاد.
تفعيل دور الجاليات:
تنظيم الجاليات السودانية في الخارج للقيام بوقفات احتجاجية أمام البرلمانات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان مع التركيز على شعارات تربط التمويل الخارجي بجرائم التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية
استراتيجية الجوار الآمن:
بما أن الإمداد يأتي عبر مطارات دول الجوار يجب على الحكومة السودانية الضغط على هذه الدول.عبر مقايضات أمنية واقتصادية كربط المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة بمدى تعاون هذه الدول في منع عبور شحنات السلاح وهنا يجب تفعيل سياسة التعامل بالمثل لإجبار هذه الدول عن كف يدها من مساعدة أبوظبي في دعم المليشيا.
إن السودان اليوم لا يحارب تمرداً عسكرياً فقط بل يحارب من أجل سيادته ووجوده في وجه أطماع خارجية اتخذت من بعض أبنائه خناجر في خاصرته. إن الوعي بالعدو الحقيقي هو أولى خطوات النصر والعمل على قطع مصادر الإمداد هو أفضل السبل نجاعة لإنهاء هذه المأساة والتفكير في إعادة بناء ما دمره المعتدون.



