البنجر السكري والفرص المهدرة

عادل الرفاعي أبو الحسن
كان من صميم فلسفة هيئة تطوير الزراعة و استراتيجيتها إدخال محاصيل جديدة إلى الولاية الشمالية و ولاية نهر النيل، و اختبار ملاءمتها للبيئة الزراعية، ثم التوسع فيها و تطبيقها في المناطق الأخرى من السودان التي تتناسب ظروفها مع كل محصول. وكان الهدف يتجاوز تنويع الإنتاج الزراعي إلى بناء أنشطة اقتصادية جديدة ترتبط بالتصنيع، و توفر دخلاً و فرص عمل، و تزيد القيمة المضافة داخل السودان.
و في هذا الإطار جاءت تجربة البنجر السكري في الحمداب و أمري الجديدة. و قد أثمرت التجربة نتائج ناجحة و باهرة، و أثبتت ملاءمة زراعة البنجر السكري للمنطقة و إمكان إنتاج محصول ذي محتوى سكري مرتفع. و عبر مزرعة تجريبية خُصصت للبنجر السكري، جرى اختبار التقاوي و تحديد الأنسب منها، كما تم تحديد مواقيت الزراعة، و أنواع الأسمدة و مواعيد استخدامها و جرعاتها الملائمة لتربة المنطقة.
و أُرسلت عينات من الإنتاج إلى مصنع سكر الجنيد بولاية الجزيرة للتحليل، فأظهرت النتائج أن نسبة السكر تجاوزت 18%، بينما كانت النسبة التي حددها الخبير المختص للمشروع في ذلك الوقت في حدود 17% باعتبارها النسبة المطلوبة للإنتاج. و تكتسب النتيجة أهمية إضافية لأنها تحققت رغم نقل المحصول لمسافة طويلة و لساعات عدة، في ظروف لم تكن مثالية، بما يعزز قوة المؤشرات التي قدمتها التجربة.
و لم تقتصر التجربة على الجانب الزراعي، بل امتدت إلى تصور المشروع في صورته الاقتصادية. فقد أمكن تحديد المساحات اللازمة للإنتاج، و آلية زراعة المحصول و تجميعه، و إشراك المزارعين، و وضع تصور أولي لإقامة مصنع لإنتاج السكر من البنجر السكري. و بذلك أصبحت العناصر الأساسية للانتقال من التجربة إلى المشروع واضحة.
كما أن تنفيذ المشروع يستفيد من بنية تحتية قائمة أنشأتها الهيئة ضمن المشروعات المصاحبة لـسد مروي، الأمر الذي جعل تكلفة التجارب في أدنى حد لها، تكاد تكون منعدمة، و قلل كثيراً من تكلفة اختبار محصول جديد و دراسة إمكان التوسع فيه.
و تتوافر في المنطقة مقومات التوسع: الأراضي و المياه و الخبرات الزراعية و المزارعون. و يمكن تنظيم المنتجين في جمعيات تعاونية تتولى تنسيق الزراعة و تجميع المحصول و تسليمه للمصنع، بما يوفر للمزارع دخلاً جديداً و سوقاً منظماً، و يضمن للمشروع إمداداً مستقراً بالمادة الخام.
أما المصنع فيمكن أن يقوم وفق نموذج شراكة مرن بين الدولة و القطاع الخاص و المزارعين، أو بأي صيغة استثمارية تحقق مصلحة الأطراف جميعاً و تضمن استدامة المشروع. فالمهم هو الوصول إلى نموذج رابح لجميع الأطراف، يجعل المزارع شريكاً في القيمة التي ينتجها، و يمنح المستثمر عائداً مجزياً، و يحقق للدولة قيمة اقتصادية و صناعية مستدامة.
و تتجاوز فوائد المشروع إنتاج السكر. فإدخال البنجر السكري كمحصول جديد يوفر مصدراً إضافياً لدخل المزارعين و السكان الذين تم توطينهم في المنطقة، و يساعد على استقرارهم و بناء نشاط اقتصادي متنامٍ، إلى جانب خلق فرص عمل و صناعات و خدمات مرتبطة بالزراعة و التجميع و النقل و التصنيع.
و على المستوى الوطني، يضيف المشروع سلعة أساسية إلى الإنتاج المحلي، و يزيد القيمة المضافة، و يدعم الاقتصاد، و مع التوسع في المساحات و الإنتاج يفتح المجال أمام الصناعات المرتبطة بالمحصول ثم التوسع في الصادر. و بذلك تنتقل الفائدة من المزارع و المنطقة إلى الاقتصاد السوداني بأكمله.
و تجربة البنجر السكري تكشف في الوقت نفسه قيمة ما أنجزته هيئة تطوير الزراعة من تجارب سابقة. فهناك محاصيل أخرى جرى اختبارها و دراستها، و يمكن اليوم حصر هذه التجارب و تقييمها وفق المعطيات الحالية، و اختيار الأكثر جاهزية للانتقال إلى الإنتاج.
و هنا يأتي دور الدولة الاستراتيجية: البناء على ما أُنجز، و تحويل التجارب الناجحة إلى مشاريع، و المشاريع إلى صناعات، و الصناعات إلى قطاعات إنتاجية مستدامة.
لذلك فإن المطلوب اليوم هو فتح ملف البنجر السكري، و تحديث دراساته الاقتصادية و الفنية، و اختيار نموذج التنفيذ و الشراكة المناسب، ثم البدء في التوسع وفق برنامج واضح. و بالتوازي مع ذلك، ينبغي حصر الفرص الزراعية الأخرى التي أثبتت التجارب صلاحيتها، و ترتيبها حسب الأولوية و العائد و سرعة التنفيذ.
البنجر السكري هنا ليس مجرد محصول جديد؛ إنه نموذج لكيفية تحويل فرصة زراعية مثبتة إلى صناعة و دخل و استقرار و قيمة مضافة و صادرات.
فالفرصة موجودة، و التجربة نجحت، و المقومات متاحة، و التصور موجود. و الخطوة التالية هي التنفيذ.



