رأي

الكِبَارُ لا يُوَّلون الأدْبَار

 

محجوب فضل بدري

بعد لأىٍ شديد، ومعاناة متطاولة مع المرض،(وملاوزة ظاهرة) سيطرت على مُتخذِ القرار، جاءت الموافقة على توصية الأطبَّاء بالمسارعة بالسماح لـ(وزير الدفاع، وزير الداخلية، وزير رئاسة الجمهورية، النائب الأول،رئيس مجلس الوزراء الأسبق) الفريق أول ركن بكري حسن صالح للسفر خارج البلاد لتلقِّـي العلاج العاجل الذي تأخر كثيراً . وأخيراً جداً جاءت الأستجابة المتأخرة، وكأنها (تقول أنْ تأتى مُتأخراً خيرٌ من أنْ لا تأتى) .

ودون أىِّ ضجة أو إعلام سافر الرجل الكبير سنَّاً ومقاماً إلى تركيا حيث يوجد ابنه حسن أو (عمي حسن) كما يحلو لأبيه أن يناديه تحبباً، وطوال ثلاثة أشهر تلقى بكري العلاج لقلبه الذي يعمل بجهاز تنظيم ضربات القلب Pacemaker منذ سنوات خلت، ثُمَّ أُجريت له أكثر من عملية في عينيه . وأجريت له فحوصات شاملة على صحته وكلها جاءت مطمئنة والحمد لله، رغم داء السكر الذى أستوطن جسده الفارع منذ فترة طويلة،لكن الأنضباط الصارم الذي يتعامل به الجنرال مع هذا المرض الذي لا يُرجى البُرؤ منه، كان هو الترياق المضاد الذي تمكن به ذلك العسكري الملتزم من التعايش مع داء السكر لأكثر من ثلاثة عقود، نسأل الله أن يكون كفارةً للذنب وزكاةً للجسد.

غادر الفريق أول بكري السودان إلى تركيا بعد انتظار مُمض في الأيام الأُوَل من شهر أغسطس الماضي، ولو وصلت هذه المعلومة إلى الإعلام لضَجَّت صفحات القحاطة في الوسائط بكل أنواع الاثارة وهي تتحدث عن هروب أو تهريب الفريق بكرى، ولزادت على ذلك الخبر وحلفت بأغلظ الأيمان إن كان عندهم ذرة من أيمان على تواطؤ الفريق أول البرهان قائد جيش الكيزان !! مع الفريق أول بكري لتنفيذ مؤامرةٍ ما على السودان كما تحدثهم به نفوسهم الخَرِبة !! ولم يظهر النائب الأول لرئيس الجمهورية السابق في أي فعالية أو ينشط فى أي عمل سياسي وهو خارج البلاد.

أخفقت كل الجهود التي بذلها (عمِّ حسن) وأخوانه في اِقناع والده بالبقاء معه في تركيا لمتابعة العلاج وللمزيد من الأطمئنان على صحته،أو أختيار أي دولة أجنبية أخرى على الأقل (ما عدا السودان) لكن الرجل الكبير رفض كل عرض قُدِم له من أسرته أو أصدقائه أو عارفي فضله، وقال إنه يُفضِّل أن يعاني من المرض أو أنعدام العلاج، على الأِخلال بالألتزام الذي قَطَعَهُ على نفسه بالعودة للوطن متى ما أنتهىٰ من العلاج ضارباً عرض الحائط بكل التحفظات الطبية والآراء المنطقية والمخاوف المحتملة من مضاعفات مرضه،أو اعادته إلى المعتقل المقفول بدلاً عن الاقامة الجبرية المفروضة عليه حتى الآن!! فليس هو الرجل الذي يرضى أن يسجل عليه التاريخ أو أن يُقال عنه أنه هرب من مواجهة خصومه في وطنه ولجأ الى خارج البلاد !! وكذلك لأنه يستنكف أن يتساوى مع زمرة العملاء الذين يجوبون الأقطار يحرِّضون على وطنهم وأبناء وطنهم وجيش وطنهم، وهو الذى سجل بكل فخر واعتزاز أمام محكمة انقلاب 30 يونيو أن ما قام به (فعلٌ عسكري) ينبغي أن يُحاكم أمام محكمة عسكرية ولو قضت عليه بأن (يمشي الدِرْوَة) لاعدامه رمياً بالرصاص.(فالكبير كبير) كبير ياسعادتو بكري والكبار لا يولون الأدبار.

وهكذا ضرب الفريق أول ركن بكري حسن صالح خيري، الدفعة 24 كلية حربية، مثلاً شروداً في الثبات وشدة البأس والوفاء لقادته،فإن في عودته الطوعية للوطن رسالةً واضحةً لقيادة القوات المسلحة، بأن يُولُوا عنايتهم للقائد العام السابق المشير عمر حسن أحمد البشير الذي لايزال رهن الحبس. فالمشير هو الآخر يُعاني من جملة أمراض وقد أوصىٰ الأطباء بضرورة سفره لتلقى العلاج بالخارج. ولا خوف من هروبه فقد كانت هذه الفرصة متاحةً أمامه منذ اليوم الأول لبيان ابن عوف.ولم يقبل بها فالكبار لا يولون الأدبار .. فيا سعادة الفريق أول البرهان هاهو بكري قد قدم لكم بياناً بالعمل وجعل نفسه فداءً لقائده وهو لا يحمل في نفسه أي حقد -وليس كبير القوم من يحمل الحِقْدَا- تجاه الرئيس المشير البشير الذى أعفاه من منصبه كنائبٍ أول له دون أسباب!! وأتى من بعده بالفريق عوض ابن عوف الذى لم يُطق صبراً على ثقل المسؤولية فتنحىٰ فى أقل من 24 ساعة، فشتان مابين فريق وفريق!!

في ى نهاية شهر أكتوبر عاد الفريق أول بكري إلى وطنه الصغير دنقلا ولئن فاته (حش التمر) فإن له في حضور موسم حصاد القمح إن شاء الله أطيب العزاء.

عندما كان الفريق أول بكري وزيراً لرئاسة الجمهورية (طَلَع) الكشف السنوي للترقيات والمعاشات في الجيش، وكان بكرى مستاءً إذ أن كشف المعاشات لم يتضمن أسمه . وقال لى:-أنا خلاص كفاية علىَّ. كنت منتظر أنزل المعاش عشان أمشى أشوف زراعتي ونخيلي.
وها قد تحققت له أمنيته وإن جاءت منقوصة ومليئة بالمنغصات والحمد لله على السلامة. وسلاااام أيها الجنرال الكبير الرجل الفاضل الباسل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى