رأي

مبادرة البرهان… و السودان بوابة العالم!

 

عادل الرفاعي أبو الحسن

تفتح المبادرة التي طرحها رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، خلال القمة الروسية الأفريقية، بشأن استعداد السودان لإقامة منطقة حرة تجارية كبرى على ساحل البحر الأحمر، تتيح لروسيا إنشاء مستودعات استراتيجية للوقود و القمح لتلبية احتياجات السودان و دول غرب أفريقيا، باباً مهماً للتفكير في مستقبل السودان الاقتصادي و دوره في حركة التجارة الإقليمية و الدولية.

لكن أهمية المبادرة تتجاوز التعاون مع روسيا أو إنشاء مستودعات للوقود و القمح؛ فهي تتيح فرصة لطرح رؤية استراتيجية أوسع، توظف موقع السودان الجغرافي و إمكاناته البحرية و امتداده الأفريقي، ليصبح مركزاً إقليمياً للخدمات البحرية و اللوجستية و التجارة

يطل السودان على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، و يرتبط بعمق أفريقي واسع، و يجاور أربع دول حبيسة هي إثيوبيا و تشاد و أفريقيا الوسطى و جنوب السودان، تحتاج جميعها إلى منافذ بحرية و أسواق و خدمات نقل و تجارة. كما يمتلك موانئ متعددة التخصصات، و مناطق إنتاج زراعي و حيواني و تعديني، يمكن ربطها بالأسواق الداخلية و الإقليمية عبر الطرق و السكك الحديدية.

و لا تقتصر الميزة التنافسية للسودان على موقعه، بل في قدرته على الجمع بين الساحل البحري و الامتداد الأفريقي و القرب من أسواق الدول الحبيسة، و توفير مسارات و خدمات متكاملة تربط التجارة البحرية بمناطق الإنتاج و الأسواق. و هذه العناصر، إذا جرى تطويرها، تمنحه فرصة لمنافسة المراكز الإقليمية القائمة، ليس بمجرد استقبال السفن أو عبور البضائع، بل بتقديم خدمات تلبي احتياجات الأسواق الأفريقية.

و تقدم إثيوبيا مثالاً واضحاً على هذه الفرصة؛ إذ تشير بيانات بنك التنمية الأفريقي إلى أن أكثر من 90% من وارداتها و صادراتها تمر عبر موانئ جيبوتي. كما تشير بيانات أممية إلى أن تكاليف الخدمات اللوجستية لواردات البلدان النامية غير الساحلية تزيد بنسبة 75% مقارنة بالبلدان النامية التي تؤدي دور بلدان العبور، بينما ترتفع تكاليف صادراتها بنسبة 63%. و توضح هذه الأرقام حجم الفرصة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الممرات التجارية الفاعلة، إذا استطاع السودان توفير بدائل تنافسية و ربطها بعمق القارة.

ويمكن أن تمثل المنطقة الحرة المقترحة نواة لمشروع اقتصادي أكبر، يضم مخازن جافة و مبردة، و مراكز للتخزين و التوزيع و إعادة التصدير، و مناطق صناعية و تجارية تستفيد من قربها من الموانئ و خطوط الملاحة. و لا ينبغي أن يكون السودان مجرد ممر لعبور تجارة الآخرين، بل مركزاً اقتصادياً يضيف قيمة لحركة التجارة من خلال التخزين و التصنيع و الخدمات البحرية و اللوجستية، بما يخلق استثمارات و فرص عمل.

و تمتد الفرص إلى خدمات تحتاج إليها السفن و شركات النقل العالمية، مثل التزود بالوقود، و صيانة السفن و إصلاحها، و الأحواض الجافة، و خدمات الطوارئ البحرية، و مناولة البضائع. كما يمكن تطوير نشاط إعادة الشحن و توزيع الحمولات (Transshipment)، باستقبال السفن الكبيرة و إعادة توزيع بضائعها على سفن أصغر تتجه إلى موانئ المنطقة. و يمكن أن تتكامل هذه الأنشطة مع مناطق لوجستية و صناعية و مطار دولي، لتشكيل منظومة توفر فرصاً للاستثمار و التدريب و نقل الخبرات و التقنيات، و تعزز دور السودان في أمن الملاحة.

إن نجاح هذه المشروعات يتطلب وضع تصور شامل يربط المنطقة الحرة بالموانئ و الطرق و السكك الحديدية و شبكات الطاقة و الاتصالات و المياه، و يحدد احتياجات كل مشروع و علاقته بالمشروعات الأخرى، تجنباً لتضارب المسارات و الازدواجية و إهدار الموارد.

و لا يعني التخطيط المتكامل تنفيذ المشروعات دفعة واحدة، بل تحديد الصورة الكاملة و الأولويات، ثم التنفيذ على مراحل مترابطة، تبدأ بالمشروعات الأكثر جدوى و قدرة على تحقيق أثر اقتصادي مباشر، وفق دراسات تحدد الطلب و التكاليف و العائد و المتطلبات الفنية. كما يجب أن تشمل دراسات التشغيل منذ البداية التقنيات و المعدات و أنواع السفن، و أنظمة الاتصالات و الملاحة و السلامة و الصيانة، بما يجنب الدولة التعديلات المكلفة بعد بدء التشغيل.

كما تحتاج هذه الرؤية إلى بنية تحتية وطنية تستوعب النشاط الاقتصادي و التوسع المستقبلي، و في مقدمتها الكهرباء و الطاقة، و الطرق و السكك الحديدية، و الاتصالات و المياه. و ينبغي أن تخدم هذه البنية احتياجات الاقتصاد السوداني الإنتاجية، من الزراعة و الصناعة إلى الثروة الحيوانية و التعدين، بما يخفض تكاليف الإنتاج و النقل، و يسهل الصادرات و يفتح الأسواق.

و هنا تبرز قاعدة مهمة: عندما نبني الدولة و نطور اقتصادها، ننطلق من احتياجاتنا الوطنية؛ أما عندما نصمم خدمات نقدمها للعالم، فعلينا فهم احتياجات الأسواق العالمية و معايير المنافسة، و تهيئة السودان لتلبيتها.

هذه الرؤية، لا يمكن بناؤها على قرارات مؤقتة أو مشروعات ترتبط بعمر حكومة أو مسؤول؛ فهي تحتاج إلى إطار قانوني و مؤسسي مستقر يحمي الاستثمارات و العقود و الالتزامات، و يمنح الشركاء الثقة في استمرارية السياسات.

كما تتطلب مؤسسات قادرة على التخطيط و التنفيذ و المتابعة، و كوادر مؤهلة في المجالات البحرية و اللوجستية و الهندسية و الإدارية، مع الاستثمار في التدريب و التعليم التخصصي، و الاستفادة من الخبرات و التقنيات و الشراكات الدولية. فهذه المشروعات ترتبط بأسواق عالمية و معايير تشغيل و سلاسل إمداد تتجاوز حدود السوق المحلي.

قد تبدو هذه الرؤية كبيرة قياساً بالظروف و التحديات التي يمر بها السودان، لكن محدودية الإمكانات لا تعني استحالة البدء. فالدول لا تنتظر اكتمال كل الشروط، بل تبدأ بما تملك، و تحدد أولوياتها، و تستقطب الخبرات و الشراكات، ثم تبني قدراتها و توسع مشروعاتها تدريجياً. فالدولة التي تريد الإنجاز تصنع قدرتها عليه، و لا تنتظر اكتمال قدرتها حتى تبدأ.

السودان بلد الفرص الاستراتيجية المؤجلة جيلاً بعد جيل، و ما ينقصه ليس الموقع أو الموارد، بقدر ما ينقصه تحويل هذه المزايا إلى مشروعات واقعية، ضمن رؤية وطنية واضحة تلتزم بها مؤسسات الدولة عبر الحكومات المتعاقبة.

إن مبادرة البرهان يمكن أن تكون أكثر من مجرد مقترح للتعاون مع روسيا؛ يمكن أن تكون مدخلاً لرؤية تجعل من البحر الأحمر بوابة السودان إلى العالم، و من موقعه الجغرافي أصلاً اقتصادياً يولّد الفرص و يبني المصالح و الشراكات.

فالسودان لا يحتاج إلى الاكتفاء بوصف إمكاناته، بل إلى توظيفها و تحويلها إلى مشروعات و إنجازات تتراكم عبر الزمن، و تبني دولة قادرة على المنافسة و صناعة المستقبل.

فالأمم لا تتقدم بما تملكه من فرص فحسب، بل بما تنجح في تحويله من فرص إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى