الذاكرة السودانية: بعد صدور المجلد الأول من أعماله الكاملة .. مع جمال محمد أحمد في المصطبة (2 من 2)


محمد الشيخ حسين
من الأخبار المفرحة في سماء السودان المحزنة صدور المجلد الأول من الأعمال الكاملة لجمال محمد أحمد. .
ويعد صدور الأعمال الكاملة للأديب والمفكر والدبلوماسي جمال محمد أحمد (1915 ــ 1986) واحداً من أضخم الإنجازات الثقافية التي شهدها السودان، ولعلها المرة الأولى لصدور الأعمال الكاملة لمؤلف سوداني خلال 500 سنة تبدأ من العام 1504.
وعلى المستوي الشخصي يعيدني إلى حوار على المصطبة أجريته مع الأستاذ جمال محمد أحمد في أكتوبر 1985 وهنا الجزء الثاني والأخير منه.
هل المطلوب منكم (كجيل ريادة) ربط عقلانية الثلاثينات بعقلانية الثمانينات أو أن البحث عن عقلانية جديدة قد حان؟
بعد أن أصغى جيدا للسؤال طلب إعادته ثم دنا أثناء الإعادة ليقول بعد الإصغاء: العقلانية نهج للفكر وليست ترتيباً للمواضيع بحيث يرضى هذا أو يغضب ذاك وهي إعلاء لقيمة العقل دون إهمال العاطفة. والفؤاد معنى من معاني العقل (إن السمع والبصر والفؤاد … الآية) والأمور العقلانية يتوصل إليها بالتفكير وعبرة الشيخ محمد عبده ـ مثلا ـ ليست في الفتوى في لباس القبعة وإنما عبرته أنه أتى بأسلوب الأولين في التميز بين الأشياء المدركة بالعقل والمدركة بالعاطفة.
وقد حرص الشيخ محمد عبده من خلال هذا الأسلوب إلى عودة العقل العربي الإسلامي إلى نقائه الأول في حين أن أستاذه الأفغاني كان يرى في الإسلام مدخلا للسياسة.
والعقلانية لا تعني إخراج العاطفة من الميدان، بل أحيانا تدرك العاطفة ما لا يدركه العقل.
ولا يوجد فرق كبير بين العقلانية والعاطفة إذا فهمنا أن العقلانية نهج في التفكير وليس تحيزا لفكرة معينة أو ابتعادا عن فكرة أخرى والقرآن الكريم فسره القرطبي والنسفي والزمخشري وابن كثير ولكل نهجه وكلهم عقلانيين.
أود القول من هذا المثل أن اختلاف النهج إثراء للتجربة شريطة أن لا يتغول نهج على الآخر بادعاء الكمال.
أنتم الجيل الذي قاد النضال حتى نلنا الاستقلال، ولكنه بكل أسف لم يتحمل تبعات ما بعد الاستقلال وربما تنطبق على بعضكم مقولة (خرج الانجليز البيض وبقى الانجليز السود)؟
بنظرة رصينة يتأمل دخان سيجارته الخامسة ثم يقول: هذا اتهام يحتوى على جزء من الحقيقة وليس كلها بمعنى أن الجانب الايجابي فيه كان يتعلق بالذين شغلوا المناصب التي كان يحتلها الانجليز.
وشرع هؤلاء في البناء ولم يخطر في بالهم أن الحريات التي يعملون في إطارها ستصبح مصدر تساؤل ظنا منهم أن النظام البرلماني الموروث من الانجليز سيستمر ولم يخطر في البال أنه سيغتال.
ومضينا في إتقان العمل الموكل إلينا، المعلم يتقن في مدرسته المحاسب، الطبيب، المهندس، الخ ولم يخطر في بالنا جمعياً أن نحرس الحريات وترك هذه المهمة للسياسيين. وقد تأتي هنا مقولة الانجليز السود. ولم يكن بوسع الذين انكبوا في إتقان العمل، إلا أن يعملوا على مقاومة انحراق الساسة (وأنه حصل) بعضهم وقف ضد الانحراف السياسي ولكن القدرات السياسية كانت أكبر من قدرات الذين كانوا في مواقع بناء البلد.
وترتب على هذا أن اغتصبت الحريات في أقل من عامين بعد الاستقلال.
والسبب المباشر لهذا الاغتصاب انصراف المتعلمين للعمل في النطاق الوظيفي الموكول إليهم وهذا مؤشر إلى فشل الناس والديمقراطية لم يخذلها الشعب ومشهد الصفوف المتراصة أمام صندوق الانتخابات في فبراير 1958م. مازال ماثلا أمامي، ولعل سبب الفشل كما قلت في مناسبة أخرى أن السياسيين من أبناء جيلنا كانوا رجال نضال وأصحاب مواقف قادة إلى الاستقلال، ولكنهم لم ينتقلوا إلى مرحلة رجال الدولة، فضلا عن أن مراتب الجيش العليا لم تدعهم يتأهلوا لتلك المرحلة. وفي ذهني أن البعض من قادة الحركة الوطنية كان بمقدورهم الانتقال إلى مرحلة رجال الدولة لولا الانقلاب العسكري (بعضهم وليس كلهم).
فشل القيادات السياسية كان سببا مباشرا لظهور الحكم العسكري الأول والفرد العسكري الأول بمختلف أشكاله هل يعنى هذا أننا مازلنا في مرحلة البحث عن النظام؟
بدون تردد وبصورة قاطعة يقول الأستاذ جمال: يبدو لي أن الوقت قد أزف للاستقرار على نظام سياسي معين، لكي لا ندمن الثورات. وأخشى من إدمان الثورات الذي نراه في الدول التي من حولنا دولة مثل نيجيريا كان من المأمول أن تكون نموذجا للولايات المتحدة الأفريقية واليوم تسمع فيها عن انقلابات وانقلابات على الانقلابات والدول الكبيرة جميعها مرت بثورات، ولكنها كانت ثورة واحدة وبعدها يأتي الاتجاه نحو الثورات الفكرية كالثورة الانجليزية والفرنسية والأمريكية. وأرجو أن لا يقول أحد أن هؤلاء مختلفون عن ولا خلاف البتة. ويكفى أننا قمنا بثورتين خلال ربع قرن، ولم يكن هناك مفر من قيامهما وأرجو أن لا تتكرر الظروف التي تجبرنا على الثورة وأتمنى أن تكون ثورة أبريل أخر الثورات، حتى نشرع في البناء والتطلع للأوفق من أهل الثورات الذين تستقر أحوالهم لقرون عدة.
جيلكم من المثقفين تحدث عن الديمقراطية كثيرا، وانشأ القصائد الحماسية فيها، ولكنه بكل أسف لم يمارسها عمليا، بل أسهب كثيرا في الشعارات ولم يحولها إلى حقائق عمل وساند كل المحسنين والمسيئين والطغاة من أهل الحكم بصورة رسمت عقدة ذنب للمثقف عند الاقتراب من السلطة ويصبح الأمر أكثر حدة على شباب المثقفين؟
بصوت أقرب إلى الحكمة والوقار يقول الأستاذ جمال: هذا الاستنتاج ينبغي أن لا يكون وأن يقترب المثقف من السلطة لا كما فعل جيلنا الذي قبع في أسوار الخدمة المدنية وتفان فيها وحتى الجزء القليل من جيلنا الذي اشتغل بالسياسة لم يلتفت إلى الأسباب التي ذكرناها ونحن عشنا في زمن كان الوزير يقول فيه أن على وكيل الوزارة أن ينفذ قرارات الوزير حتى وأن كان خاطئة وبعضنا قاوم ذلك، ولكن الغالبية عملت في ظل هذه المفاهيم.
ولا أود أو أسهب في توجيه اللوم إلى السياسيين، ولكنى فقط أرسم صورة لذلك العهد الذي عشناه اكرر نقطة الاقتراب من السلطة. وينبغي على الجيل الجديد أن يقترب منها ليخدم الشعب ويتعين عليه أن لا تترسب فيه عقدة الذنب التي لم يكن له دور فيها وربما يكون قد تأثر بها من التعليم أو المنزل، ولكن مع هذا لا بد من الاقتراب حتى يتم التفاعل، ولا يمكن أن نترك الأمور بيد السياسيين إذا كنا في الخدمة المدنية ولا نجعلها كما حدث في مايو (إن الخدمة المدنية أن لم تؤمن بمبادئ التنظيم الواحد لا ينبغي لها أن تعمل) ويستحسن أن نبعد الخدمة المدنية من طرفي النقيض الابتعاد عن السياسة كلية أو أن تصبح ذيلا للحركة السياسية.
وطرفا النقيض اثبتا فشلهما ونحن كأي بلد نحتاج إلى الجانبين السياسي والعمل اليومي، ولو عدت إلى مطلع الحياة من جديد لاقتربت من السلطة لكي أشارك وأتحمل مسئولية المشاركة.
كان طبيعة المواطن السوداني مراعاة الآخرين في سلوكه وتصرفاته، ولكن الملاحظ في السنين الأخيرة بوضوح شديد أن الإحساس بالآخرين كاد أن ينعدم فيتصرف الفرد في حياته كما لو كان وحده في هذا العالم لماذا حدث هذا وما السبب الذي يجعل المواطن السوداني يصل المنصب كبير أو يكسب مالا كثيرا ونفوذا بغير جهد!؟
تخرج الكلمات في صوت تكسوه ملامح الحسرة حين يقول الأستاذ جمال: هذا من أشق الأشياء التي يتطلب علاجها زمنا طويلا. ولو تذكر قودفرين عيسى، علق بعد أن اندحرت دكتاتورية عيدي أمين في يوغندا بقوله: إن الشوارع من السهل بناءها والحقول من الميسور زراعتها، ولكن الصفات القومية التي تلاشت من نفوس اليوغنديين لا اعرف كيف نعيدها، وربما كان هذا من أسباب عدم استمراره وقتا طويلا في الرئاسة، لأنه كأي رجل نبيل كان مهتما بالمعنويات نفس اهتمامه بالماديات.
ونحن الآن في موقف مشابه، وحكم الفرد بطبيعته حكم أناني والأنانية تتسرب بالطبع من الكبار للصغار بمعنى الصفيف العادي في الصحيفة يتأثر بحكم الفرد المنعكس في سلوك رئيس التحرير، والناس على دين ملوكهم مقولة قديمة، ولكنها ربما تفسر بضع الخلل في صفاتنا القومية التي تعثرت الآن والعمل الشاق الذي ينتظرنا هو إعادة صفاتنا القومية التي تأثرت بأنانية حكم الفرد.
قلت إنها من أشق الأشياء متعللا بأن التعليم نفسه قد أصبح في حاجة إلى المراجعة والفاقد التربوي يتعاظم عاما بعد عام والعبرة ليست بالأعداد الهائلة من الناجحين وإنما العبرة هي ما خلفه التعليم في تلك الأعداد من صفات معينة للعمل واحترام الغير … ألخ. وهذا طريق بناء الإنسان نفسه والكتاب الاقتصاديين يتحدثون كثيرا عن الإنسان قبل التنمية.
من جانب آخر لا بد أن ينتبه قادة البلد الروحيون وهم الذين يعطون المسائل الروحية بعدا أكثر من العبادات لو انتبه هؤلاء وساعدوا السياسيين ربما قصرت المدة. من أسوأ سمات العهد المايوي أن الغنى بصور غير مشروعة قد تفشى والمطلوب إزالة مثل هذا السلوك. وبداية الطريق هي تحديث عقلنا ويجب العناية بالجانب الروحي المتعلق بالصفات القومية. وعلى الجانب السياسي أن يكف عن ترديد الشعب أمرني بكذا ويكون هذا بداية للحديث باسم الشعب وهى بداية في واقع الأمر لمصادرة حق الشعب وقيادة الشعب تلزم السياسيين بتنوير الشعب. وهي بداية في واقع الأمر لمصادرة حق الشعب وقيادة الشعب تلزم السياسيين بتنوير الشعب.
هل مازال للمفكر صوته المرتفع في هذا العصر الذي ترتفع فيه صيحات المغنين وهتافات جماهير الكرة؟
السيجارة السابعة تلفظ أنفاسها الأخيرة يقول الأستاذ جمال: من الممكن أن يكون للمفكر صوت مرتفع ما لم يكن أنانيا أو متشائما.
والأناني هو المفكر الذي يهرب من الواقع ولا يعيشه فهو في تقديري مفكر (لا يسوى جلده).
أما المتشائم فهو نوع من السلوك لا يمكن إصلاحه وهذا واقع، ولكنه لا يمنع المفكر من أن يعيش أحزان شعبه أفراحه.
ولا سبيل إلى اليائس، إلا إذا ملك من يرغب في اليأس أسبابه الخاصة لهذا اليأس.
ذكرت في كتابك الدبلوماسية السودانية أن المذهبية السياسية سجون، هل يمكننا القول إن سجون المذهبية السياسية ساعدت إلى حد كبير في عدم بروز الفكرة القومي السوداني؟
بصورة مباشرة يقول الأستاذ جمال: إلى حد بعيد ساعدت في عدم البروز، لأن المثقفين ابتعدوا عن الأحزاب. وقد كتبت مقالا في الأيام كنت فيه كثير الجزع من قضية تمثيل القوى الحديثة. وكنت أنادى بانضمام القوى الحديثة مهما كان نوعها إلى الأحزاب، لأن الأحزاب لن تتقدم بدون القوى الحديثة، بل أن واجب القوى الحديثة الوطني أن تدخل في هذه الأحزاب على أساس أن تنسجم فيها. وخلال عشر سنوات سنجد أحزابنا قد تقدمت بفضل معاونة القوى الحديثة، وأن سعدت حقيقة بخبر تخصيص 25 مقعدا للقوى الحديثة، وهي نسبة محتملة. أما لو كانت نصف المقاعد فهذه الحالة تدعو إلى الذعر والخوف على الأحزاب والقوى الحديثة.
من جانب آخر، فأن للقوى الحديثة معاني زئبقية متعددة. فأنت حديث اليوم وبعد عشرين عما سيأتي شقيقك الأصغر ويقول لك أنا قوى حديثة فنجد أنفسنا في حلقة مفرغة ودوامة ضد التطور الطبيعي للأحزاب.
والإشارة إلى سجون المذهبية تعبر عن واقع، لأن المنتمي حزبيا قد يتنازل في بعض الأحيان عن آرائه الشخصية، لينسجم مع الحزب وأفكاره.
معظم أهل حلفا لهم غرام طبيعي بفنان عموم السودان وردى هي أنت من بينهم في هذا الغرام؟
يقول الأستاذ جمال برنة فرح صادق: أنا من أصحاب المزاج الكلاسيكي المنفتح في الاستماع إلى الغناء ونحن من جيل الأعمدة السبعة في الأغنية السودانية أحمد المصطفى ورفاق جيله، ولكنني مع ذلك أجد نفسي انتبه إلى شرحبيل أحمد والجيلاني الواثق وعبد القادر سالم.
البعض يفضل الزواج التقليدي للكاتب وآخرون ينادون بغيره إلى أي الرأيين تميل، وهى تعتقد أن نظرة توفيق الحكيم للزواج سليمة؟
بملامح تنم عن الرضا التام يقول الأستاذ جمال: أنا تزوجت بطريقة تقليدية جداً (بنت عمي)، ولا أعرف حتى الآن كيف عبرنا الطريق من سرة شرق إلى أكسفورد والعكس.
ومن خلال تجربتا أن الزواج التقليدي ليس سيئا بالحد الذي يقال ولا غيره جيدا بالصورة التي توصف وفي الحالتين تتوقف السعادة أو عدمها على الناس أنفسهم. ودعك من العبث الذي يقوله توفيق الحكيم عن عداوته للمرأة واشتهائه لطبق البطاطس بيديها، فالحكيم يريد أن يروج لنفسه فقط من خلال عبارات تثير الضجة لبعض الوقت وهي صفات في تقديري لا تنطبق على الشخص المولع بالقراءة والاطلاع.
في ختام الحوار سألت الأستاذ جمال إن كان هناك جانب يود أن اسأله عنه؟
أجاب ضاحكا : أظنك فضولي كفاية.



