رأي

“صمود” و الحوار السوداني (1-3): من رفض الحوار إلى غياب البديل الوطني 

د. إسماعيل ساتي

إن موقف تحالف “صمود” من الحوار السوداني–السوداني يعيد إلى الواجهة مشكلة أعمق من الخلاف على مكان الاجتماع أو الجهة المنظمة له؛ مشكلة القوى السياسية التي ترفض المبادرات المطروحة، لكنها لا تقدم بالضرورة تصوراً تأسيسياً واضحاً يحظى بمعايير موضوعية للمشاركة والتنفيذ والمساءلة.

قبل مناقشة موقف تحالف “صمود” من الحوار السوداني–السوداني، أود أن أوضح أن اعتراضي لا يقتصر على موقف هذه الجماعة، بل يشمل أيضاً المفاهيم التي قامت عليها الدعوة الحالية للحوار، والطريقة التي طُرحت بها لتنظيمه. وقد سبق أن عرضت تصوراً مختلفاً في مقال نشرته على فيسبوك بتاريخ 29 أغسطس 2026 بعنوان «حول الحوار السوداني–السوداني»، دعوت فيه إلى الاستفادة من الفكر المنظومي في الانتقال من معالجة الملفات السياسية المتفرقة إلى معالجة الاختلالات التي تعيد إنتاج الأزمة السودانية.

فالسودان، في تقديري، لا يحتاج إلى حوار تقليدي تتبادل فيه القوى السياسية مواقفها، ثم تتفاوض على تسوية مؤقتة لتقاسم السلطة، بقدر ما يحتاج إلى تفاوض تأسيسي يتوافق فيه السودانيون على ثوابتهم الوطنية، وطبيعة الدولة التي يريدون بناءها، والقواعد التي يحتكمون إليها عند الاختلاف، والآليات التي تضمن استمرار الدولة وتطورها دون أن تتكرر أزماتها بالصورة نفسها.

ومن المهم هنا التمييز بين أمرين؛ عدم اتفاق البعض مع المفاهيم التي قامت عليها المبادرة الحالية، ورفض المشاركة فيها دون تقديم بديل تأسيسي واضح. فاعتراضي على المفاهيم التي قامت عليها الدعوة الحالية للحوار لا يعني تأييدي لموقف “صمود”، كما أن رفض المبادرة لا يمنح أي طرف، في حد ذاته، أفضلية سياسية أو أخلاقية على غيره.

لقد اعتاد جانب من القوى السياسية السودانية، منذ الاستقلال، اتخاذ الرفض موقفاً من الحكومات والمبادرات التي لا تتفق معها، دون أن يقترن ذلك دائماً بتصور عملي متكامل للخروج من الأزمة. وقد ظهرت هذه الظاهرة في مراحل سياسية مختلفة، بما فيها حقبتا مايو والإنقاذ، وفي الخلافات التي أحاطت بالحوار الوطني الذي استمر بين عامي 2015 و2016، وهي تظهر اليوم مجدداً في المواقف من الحوار السوداني–السوداني.

والمشكلة في هذا النهج ليست مجرد رفض مبادرة بعينها، بل تحويل المعارضة إلى موقف قائم بذاته، وكأن تعطيل مشروع الآخرين يكفي لإثبات صلاحية المشروع البديل، حتى عندما لا يكون هذا البديل واضح المعالم أو قابلاً للتنفيذ.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا رفضت “صمود” المشاركة في الحوار؟ بل أيضاً: ما المشروع الذي تطرحه لبناء السودان؟ وعلى أي أساس تحدد القوى التي يحق لها المشاركة في صياغة مستقبله؟ وما الذي يجعل تصورها بديلاً وطنياً أفضل من التصورات التي ترفضها؟

 

أولاً: من الحوار السياسي إلى التفاوض التأسيسي

في معناه الشائع، قد يكون الحوار تبادلاً للآراء أو مناقشة لقضايا يختلف حولها المشاركون، بينما يستهدف التفاوض الوصول إلى التزامات وتوافقات بين أطراف تتباين مصالحها ومواقفها. لكن الأزمة السودانية، في تقديري، أعمق من أن تُعالج بحوار سياسي تقليدي أو بتفاوض يقتصر على توزيع السلطة بين القوى المتنافسة.

فالسودان لا يعاني فقط من خلاف بين أحزاب أو تنازع بين قيادات، وإنما من اختلالات متراكمة في العلاقة بين مكونات الدولة ومؤسساتها، وفي طريقة إدارة التنوع، وفي قواعد انتقال السلطة، وفي قدرة المنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على معالجة الأزمات دون أن تتحول إلى صراعات مدمرة.

ولهذا، فإن جمع الأطراف المتنازعة حول طاولة واحدة، ثم مطالبتها بالاتفاق على حكومة انتقالية أو توزيع المناصب، لا يضمن معالجة جذور الأزمة. فقد يتوصل المتفاوضون إلى اتفاق مؤقت، بينما تظل الأسباب التي أدت إلى انهيار التوافق قائمة، فتعود الأزمة عند أول اختبار جديد.

من منظور الفكر المنظومي، ينبغي الانتقال من معالجة الأحداث المتفرقة إلى فهم العلاقات والبُنى والقواعد التي تنتج تلك الأحداث وتعيد إنتاجها. فالغاية ليست إيقاف الأزمة الحالية فحسب، وإنما بناء منظومة وطنية تستطيع استيعاب الاختلاف، وإدارة المصالح المتعارضة، وتصحيح أخطائها، ومنع تحول الخلاف السياسي إلى تهديد لوجود الدولة.

ولهذا أرى أن التسمية الأدق للعملية التي يحتاج إليها السودان هي “التفاوض التأسيسي”؛ لأنه تفاوض على الأسس التي تقوم عليها الدولة، وثوابتها الوطنية، وقواعد ممارسة السلطة والاحتكام إلى القانون، والآليات التي تضمن إدارة الاختلاف سلمياً.

ولا يعني ذلك أن هذا التفاوض سيحل جميع المشكلات دفعة واحدة، وإنما يضع إطاراً مرجعياً مشتركاً تُعالج في ضوئه القضايا الأخرى، بدلاً من أن تبدأ كل مرحلة سياسية من الصفر، وكأن السودان لم يمر بتجارب سابقة ولم يدفع أثماناً باهظة بسبب إخفاقاتها.

ثانياً: ماذا تكشف مواقف “صمود” من رفض المشاركة؟

من حق أي قوة سياسية أن تعترض على شروط مبادرة أو آلية تنظيمها، لكن هذا الحق يقابله استحقاق سياسي يتمثل في تقديم تصور بديل واضح، وشرح كيفية تنفيذه، وتحديد الأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه وفق معايير وطنية موضوعية.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها:

أولها: هل المطلوب حوار وطني أم حوار تحدد أطرافه وفق الرؤية السياسية لتحالف بعينه؟

إذا كان الهدف هو التوصل إلى توافق وطني، فلا بد أن يكون معيار المشاركة قائماً على قواعد معلنة، لا على مدى اتفاق الأطراف مع مواقف “صمود” أو اختلافها معها. فالسودان ليس ملكاً لتحالف سياسي، ولا يحق لأي جهة أن تمنح نفسها سلطة تحديد القوى التي تستحق المشاركة في تقرير مستقبل الدولة، ثم تستبعد قوى أخرى لمجرد اختلافها معها.

ويزداد هذا السؤال أهمية عندما تبدو صيغة الحوار محكومة بتمثيل قوى محدودة، مع استبعاد قوى سياسية واجتماعية تتبنى مواقف مختلفة من القوات المسلحة أو من الإسلام السياسي. فهل يمكن بناء توافق وطني شامل من خلال عملية تُقصي قطاعاً من القوى بسبب مواقفه السياسية؟ وهل يعالج هذا الإقصاء الانقسام السوداني، أم يعيد إنتاجه في صورة جديدة؟

إن المشاركة في التفاوض التأسيسي لا ينبغي أن تكون مكافأة تمنحها القوى السياسية بعضها لبعض، وإنما حقاً تنظمه معايير وطنية متفق عليها، مع مراعاة المسؤولية القانونية عن الجرائم والانتهاكات، وعدم تحويل التمثيل السياسي إلى وسيلة للإفلات من المساءلة.

ولا يعني ذلك أن جميع الأطراف متساوية في المسؤولية أو في مواقفها، بل يعني أن معايير المشاركة والمساءلة ينبغي أن تكون واضحة، وألا تُترك لتقديرات تحالف سياسي يضع نفسه حكماً على الآخرين.

ثانيها: هل الخلاف على الحوار أم على دور مؤسسات الدولة؟

من أبرز أوجه اعتراضي على مواقف “صمود” مقاربتها لدور القوات المسلحة في الأزمة السودانية، وما أراه في بعض مواقفها من إجحاف بالمؤسسة العسكرية الوطنية.

ولا يعني ذلك أن قيادة الجيش فوق النقد، أو أن قراراتها لا تخضع للمراجعة والمساءلة. فهناك فرق جوهري بين نقد القيادة العسكرية ومحاسبتها على قراراتها، وبين التعامل مع القوات المسلحة باعتبارها مجرد طرف مسلح لا يختلف في طبيعته عن أي تشكيل عسكري آخر.

القوات المسلحة مؤسسة وطنية للدولة، وينبغي أن يرتبط مستقبلها بوحدة البلاد وسيادتها، وبناء مؤسساتها على أسس مهنية وقانونية. أما إصلاح المؤسسة العسكرية وإعادة تنظيمها وتطويرها، فينبغي أن يجري وفق متطلبات الدولة والقانون ومن خلال المؤسسات الوطنية المختصة، لا أن يتحول إلى ملف تتولاه مجموعة من الناشطين السياسيين وفق تصوراتها الحزبية.

كما أن بعض القيادات التي تتبنى اليوم مواقف متشددة تجاه قيادة الجيش سبق أن تعاملت معها في ترتيبات سياسية، من بينها الاتفاقات التي أفضت إلى الوثيقة الدستورية التي حكمت البلاد في الفترة الانتقالية بعد عام 2019. هذه السابقة لا تسقط حق تلك القيادات في نقد الجيش، لكنها تطرح سؤالاً عن ثبات المعايير السياسية: إذا كان التعامل مع قيادة الجيش ممكناً في مرحلة سابقة لتأسيس ترتيبات دستورية، فلماذا يصبح التعامل معها في إطار مبادرة سياسية أخرى موضع رفض مطلق، بدلاً من مناقشة شروط المبادرة وضماناتها ومحتواها؟

المواقف السياسية قابلة للتغير، لكن من حق المواطنين أن يسألوا عن الأسس التي تحكم هذا التغير، وعن المعيار الذي يميز بين التعاون السياسي المقبول والتعاون المرفوض.

 

ثالثها: هل يحق لمن يختلف مع الجيش أن يشارك في التفاوض التأسيسي؟

الإجابة، من حيث المبدأ، هي نعم. فلا ينبغي أن يكون تأييد الجيش شرطاً للمشاركة السياسية. فالمعارضة السلمية حق، والاختلاف مع مؤسسات الدولة لا يسقط تلقائياً حق المواطنين والقوى المدنية في التعبير عن آرائهم والمشاركة في صياغة مستقبل البلاد.

لكن هذا المبدأ لا يعني تجاهل سلوك القيادات السياسية أو علاقاتها بالأطراف الخارجية والإقليمية، ولا يعني أن جميع المواقف متساوية من حيث أثرها على الدولة ومؤسساتها.

فإذا ثبت، استناداً إلى أدلة موثوقة وإجراءات عادلة، أن قيادات سياسية تعاونت مع جهات تدعم عسكرياً ميليشيا الدعم السريع، أو شاركت في جهود تستهدف إضعاف مؤسسات الدولة لمصلحة طرف مسلح، فإن هذه الوقائع تستحق الفحص والمساءلة. ولا ينبغي أن يُحسم الأمر بمجرد الاتهام، كما لا ينبغي تجاهله لمجرد أن المعنيين يرفعون شعارات مدنية أو ديمقراطية.

وفي المقابل، يجب التمييز بين القيادات التي تتحمل مسؤولية مواقف أو أفعال محددة، وبين سائر أعضاء التحالف أو القوى المعارضة للجيش التي لم تشارك في تلك المواقف. فليس من الإنصاف تعميم المسؤولية دون تمييز، كما ليس من المقبول إعفاء القيادات من المساءلة بسبب موقعها السياسي.

المطلوب، إذن، هو وضع معايير وطنية واضحة للمشاركة والمساءلة، تنطبق على الجميع، بدلاً من تحويل الحوار إلى وسيلة لفرض الإقصاء المتبادل.

ثالثاً: هل يقدم موقف “صمود” بديلاً متكاملاً للحل الوطني؟

تتمحور الدعوات التي تتبناها صمود حول وقف الحرب، ووقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ثم الانتقال إلى عملية سياسية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي.

هذه أهداف مهمة في ذاتها، لكنها لا تشكل وحدها مشروعاً متكاملاً لمعالجة الأزمة السودانية. فالسؤال ليس فقط: إلى ماذا نريد أن نصل؟ بل أيضاً: كيف نصل إليه؟ وما الذي سيمنع تكرار الأزمة بعد الوصول إليه؟

ومن هنا، أرى ضرورة التمييز بين مسارين مختلفين ينبغي ألا يُخلط أحدهما بالآخر:

المسار الأول: التفاوض العسكري لإنهاء الحرب.

التفاوض بشأن وقف القتال، والهدنة، وترتيبات وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات، ومعالجة الخروقات، وغيرها من التفاصيل العسكرية والأمنية، ينبغي أن تتولاه الأطراف العسكرية المعنية، بمشاركة الوسطاء الذين تقبل بهم الأطراف عند الحاجة. فهذه مسائل تتطلب معرفة ميدانية، ومسؤولية مباشرة عن القوات، وقدرة على اتخاذ القرارات العسكرية وتنفيذها ومراقبة الالتزام بها.

أما القوى السياسية والمدنية، فدورها الأساسي هو مناقشة مستقبل الدولة، وقواعد الحكم، وشروط الانتقال السياسي وإعادة بناء المؤسسات والعدالة والاقتصاد والحريات، وغيرها من القضايا التأسيسية.

ولا يعني الفصل بين المسارين إنكار العلاقة بين الحرب والسياسة، بل توزيع المسؤوليات بصورة تمنع تحويل العملية السياسية إلى امتداد للمفاوضات العسكرية، أو استخدام الدعوة إلى وقف الحرب لتعطيل النقاش حول مستقبل الدولة.

ومن هذا المنطلق، لا أرى أن جعل وقف الحرب شرطاً مسبقاً للتفاوض السياسي التأسيسي هو المدخل الصحيح. بل ينبغي أن يسير المساران في نطاق اختصاص كل منهما، من دون أن يُمنح أحدهما حق تعطيل الآخر.

كما أن الهدنة أو وقف إطلاق النار ليست مسألة محايدة بالضرورة من حيث النتائج السياسية والعسكرية. ففي ظل حرب تتغير فيها موازين القوى، قد تمنح الهدنة أحد الأطراف فرصة لإعادة ترتيب قواته والتقاط أنفاسه، بدلاً من أن تؤدي إلى إنهاء الحرب بصورة مستدامة.

ولهذا، ينبغي تقييم أي اتفاق عسكري وفق شروطه وآليات تنفيذه والضمانات التي يتضمنها، لا وفق الشعارات التي يُطرح بها. كما يجب ألا تتحول الدعوة إلى وقف الحرب إلى وسيلة لإعادة تدوير المشهد السياسي الذي سبق اندلاعها عام 2023، بما يسمح بعودة القوى والقيادات إلى السلطة دون معالجة مسؤولياتها عن الإخفاقات السابقة أو ما قد يثبت من مخالفات جسيمة ارتُكبت خلال الحرب.

إن إنهاء القتال هدف ضروري، لكنه لا يعني تلقائياً أن الأزمة السياسية قد حُلّت، ولا أن العودة إلى ترتيبات ما قبل الحرب أصبحت خياراً مقبولاً.

 

المسار الثاني: التفاوض السياسي التأسيسي.

هذا هو المسار الذي ينبغي أن تتجه إليه القوى السياسية والمدنية، بعيداً عن التنافس على إدارة تفاصيل الحرب العسكرية. ويجب أن يبدأ بتحديد القضايا التأسيسية التي تحتاج إلى توافق وطني، وفي مقدمتها:

• ثوابت الأمة السودانية، ووحدة البلاد وسيادتها.

• طبيعة الدولة ومؤسساتها الدستورية والقانونية.

• العلاقة بين السلطات المدنية والمؤسسات العسكرية وحدود اختصاص كل منها.

• قواعد التداول السلمي للسلطة، والحريات العامة، واستقلال القضاء.

• معايير تشكيل الحكومات الانتقالية وحدود سلطاتها ومدتها.

• العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات.

• السياسات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لإعادة بناء الدولة وتحسين حياة المواطنين.

• الآليات التي تضمن إدارة الاختلافات المستقبلية دون اللجوء إلى العنف أو الانقلابات أو الإقصاء السياسي.

وينبغي أن تُطرح القضايا التأسيسية التي يتم التوافق عليها على الشعب في استفتاء شامل، وفق ترتيبات قانونية واضحة تضمن مشاركة المواطنين وحرية اختيارهم.

أما إذا كانت صمود ترى أن المبادرة الحالية لا تحقق هذه الأهداف، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لا تشارك في بلورة بديل تأسيسي واضح، أو تقدم مقترحات محددة لتصحيح المسار، بدلاً من الاكتفاء برفض المبادرة؟

إذا كان الاعتراض على مكان انعقاد الحوار، فيمكن النظر في مشاركة الأطراف التي يتعذر عليها الحضور عبر الاتصال المرئي، أو اعتماد ترتيبات تجمع بين المشاركة الحضورية والافتراضية. وإذا كان الاعتراض على الجهة المنظمة، فيمكن التفاوض على لجنة تحضيرية مستقلة أخرى. وإذا كان الاعتراض على التمثيل، فيمكن الاتفاق على معايير معلنة تكفل مشاركة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة.

هذه أمثلة على كيفية تحويل الاعتراض إلى عمل سياسي بناء. أما رفض الحوار جملة وتفصيلاً، دون تقديم صيغة بديلة محددة، فلا يساعد على حل الأزمة، ولا يمنح الرافض تلقائياً أفضلية أخلاقية أو سياسية. لقد عانى السودان طويلاً من المواقف التي تضع أصحابها في موقع الحكم على الآخرين دون أن تقدم بالضرورة مشروعاً عملياً للخروج من الأزمة.

 

خلاصة الجزء الأول

إن جوهر الخلاف لا ينبغي أن يكون مجرد المشاركة في مبادرة بعينها أو رفضها، بل طبيعة المشروع الوطني الذي يمكن أن ينقل السودان من صراع متكرر على السلطة إلى توافق على أسس الدولة. ومن هنا، فإن نقد موقف “صمود” لا يكتمل دون طرح بديل، كما أن الاعتراض على المبادرة الحالية لا يكتمل دون تحديد ما ينبغي أن يحل محلها.

وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: ما الشروط التي تجعل التفاوض التأسيسي مختلفاً عن الحوارات السياسية السابقة؟ وكيف يمكن ضمان ألا يتحول إلى تسوية مؤقتة بين القوى المتنافسة، أو إلى مرحلة انتقالية مفتوحة تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها؟

وهو ما سنتناوله في الجزء الثاني بعون الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى