من تمويل الاستهلاك إلى تمويل الإنتاج: كيف يصبح المال محركا للتعافي؟

نعمان يوسف محمد **
في المقالات السابقة من هذه السلسلة، بدأنا من الأسرة في مواجهة التضخم، ثم انتقلنا إلى تنويع الدخل والادخار والاستثمار في المهارات، وصولا إلى فكرة أوسع: كيف ننتقل من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد التعافي؟
لكن التعافي لا يقوم على الرغبة وحدها. فالإنتاج يحتاج إلى موارد، والمشروع يحتاج إلى رأس مال، والمزارع يحتاج إلى مدخلات، والحرفي يحتاج إلى معدات، وصاحب النشاط الصغير يحتاج إلى تمويل يساعده على الانتقال من مجرد الاستمرار إلى النمو..
ومن هنا يأتي التمويل.
لكن السؤال ليس فقط: هل يتوفر المال؟ السؤال الأهم هو: إلى أين يذهب المال، وماذا ينتج عنه؟
ليس كل مال تمويلا للتنمية:
يمكن للمال أن يذهب إلى الاستهلاك وينتهي أثره بانتهاء الإنفاق، ويمكن أن يدخل في نشاط منتج فيتحول إلى آلة أو مادة خام أو دورة إنتاج، ثم يعود في صورة مبيعات ودخل وفرص عمل.
وهنا يكمن الفرق بين المال الذي يمول الاستهلاك والمال الذي يمول الإنتاج. فعندما يحصل مزارع على تمويل لشراء المدخلات، أو يشتري الحرفي آلة تزيد قدرته الإنتاجية، أو يستخدم صاحب مشروع صغير التمويل لتوسيع نشاطه، فإن المال لا ينتهي بمجرد إنفاقه. بل يبدأ دورة اقتصادية جديدة تولد قيمة ودخلا، وقد تخلق فرص عمل إضافية.
أما إذا ذهب التمويل إلى إنفاق لا يضيف قدرة إنتاجية جديدة، فإن أثره الاقتصادي يكون غالبا مؤقتا، مهما بدا مُهماً في لحظته. وهذا لا يعني أن تمويل الاستهلاك غير مشروع أو غير ضروري في كل الأحوال، وإنما يعني أن اقتصاد التعافي يحتاج إلى أن يكون الإنتاج هو الوجهة الأكبر للموارد القابلة للاستثمار.
التمويل لا يصنع مشروعاً من لا شيء:
من السهل أن ننظر إلى نقص المال باعتباره العقبة الرئيسية أمام أي مشروع. لكن المال وحده لا يصنع مشروعاً ناجحاً.
فالمشروع يحتاج أولا إلى فكرة قابلة للتنفيذ، وسوق حقيقي، ومهارة، وإدارة جيدة، وقدرة على ضبط التكاليف والمخاطر. ويأتي التمويل بعد ذلك ليمنح هذه العناصر القدرة على العمل والتوسع.
ولهذا فإن أفضل تمويل ليس بالضرورة أكبر تمويل، وإنما التمويل الملائم للمشروع. فالمزارع يحتاج إلى تمويل يرتبط بالموسم الزراعي، وصاحب المتجر يحتاج إلى تمويل يتناسب مع سرعة دوران بضاعته، والحرفي الذي يشتري آلة إنتاجية يحتاج إلى فترة سداد تسمح له باسترداد استثماره قبل بدء الضغط الحقيقي للأقساط. لذلك فإن مواءمة قيمة التمويل ومدته وتكلفته مع طبيعة النشاط قد تكون أهم من مجرد الحصول على القرض.
من تمويل العميل إلى تمويل النشاط:
هنا تبرز أهمية التمويل الأصغر، خصوصا في اقتصاد تتسع فيه قاعدة المشروعات الصغيرة والأعمال الفردية. فالكثير من أصحاب هذه الأنشطة قد لا يملكون ضمانات كبيرة، لكنهم يملكون مهارة وخبرة وسوقاً وقدرة على توليد دخل.
والتحدي أمام مؤسسات التمويل ليس فقط أن تصل إلى هؤلاء، وإنما أن تعرف من يحتاج التمويل، ولأي غرض، وبأي شروط، وكيف يمكن أن ينجح النشاط بعد حصوله عليه. وهذا يتطلب الانتقال من النظرة التقليدية التي ترى العميل مجرد ملف ائتماني إلى نظرة أوسع ترى وراء الملف مشروعا ودورة نقدية وسوقا وسلسلة قيمة.
كما يتطلب تطوير أدوات تقييم تعتمد بدرجة أكبر على التدفقات النقدية والبيانات والسجل المالي للنشاط، وليس على الضمانات التقليدية وحدها. والأهم أن نجاح التمويل الأصغر لا ينبغي أن يقاس بعدد القروض الممنوحة، بل بما أحدثته تلك القروض من إنتاج ودخل وفرص عمل واستدامة للمشروعات.
المصرف شريك في التعافي:
إذا كان التمويل أحد مفاتيح التعافي، فإن المصارف ستكون في قلب هذه العملية. لكن دور المصرف يجب ألا يتوقف عند منح التمويل وتحصيل الأقساط.
المصرف الأكثر تأثيراً هو الذي يفهم قطاعات الاقتصاد واحتياجاتها، ويصمم منتجات تناسب طبيعة الأنشطة، ويقلل تكلفة الوصول إلى الخدمة، ويساعد المنتج على الوصول إلى السوق. فالمزارع لا يحتاج إلى قرض فقط؛ يحتاج إلى مدخلات وسوق ومعلومة. والحرفي لا يحتاج إلى آلة فقط؛ يحتاج إلى مورد ومشتر. والمشروع الصغير لا يحتاج إلى رأس مال فقط؛ يحتاج إلى بيئة تساعده على الاستمرار والنمو. وهنا يمكن للمؤسسة المالية أن تصبح شريكا في النشاط الاقتصادي، لا مجرد ممول له.
الادخار يبدأ الدورة:
لا ينبغي أن نضع التمويل والادخار في مسارين منفصلين. فالادخار هو أحد أهم مصادر تكوين رأس المال، والمدخرات الصغيرة، عندما تتجمع داخل النظام المالي، يمكن أن تتحول إلى موارد تمول استثمارات أكبر.
فالأسرة التي تضبط إنفاقها وتدخر جزءا من دخلها تبني احتياطيا للمستقبل. والمشروع الذي يعيد استثمار جزء من أرباحه يزيد قدرته على النمو. والمؤسسات المالية التي تجمع المدخرات وتعيد توجيهها إلى الأنشطة المنتجة تسهم في تحويل الموارد المتفرقة إلى قوة اقتصادية.
وهكذا تبدأ الدورة من الوعي المالي وحسن إدارة الدخل، ثم الادخار، ثم الاستثمار والإنتاج، لتعود عوائد الإنتاج في صورة دخل جديد يمكن ادخاره واستثماره مرة أخرى. وهذه هي الدورة التي نحتاج إلى بنائها على نطاق أوسع في اقتصاد التعافي.
التمويل يتحرك داخل الاقتصاد:
أثر التمويل المنتج لا يتوقف عند صاحب المشروع. فعندما يتوسع مشروع صغير، فإنه قد يشتري مواد خام أكثر من مورد محلي، ويحتاج إلى عمالة إضافية، ويستخدم خدمات النقل والتخزين والتسويق، ثم يبيع منتجاته للمستهلكين. وبذلك ينتقل أثر التمويل من مشروع واحد إلى شبكة من الأنشطة الاقتصادية.
وقد يكون الأثر أكبر عندما يحل الإنتاج المحلي محل الواردات، أو عندما يضيف المشروع قيمة إلى مادة خام محلية، أو عندما يفتح سوقا أمام منتجين آخرين. لهذا فإن السؤال عن التمويل لا ينبغي أن يكون فقط: كم مولنا؟ بل أيضا: ماذا حرك هذا التمويل؟
سلاسل القيمة تجعل التمويل أكثر تأثيرا:
من هنا تأتي أهمية النظر إلى التمويل من خلال سلاسل القيمة. فتمويل المزارع وحده قد لا يكون كافيا إذا لم تتوفر المدخلات أو التخزين أو النقل أو السوق. أما عندما يرتبط التمويل بهذه الحلقات، فإنه يصبح أكثر قدرة على تحريك النشاط بأكمله.
يمكن، مثلا، أن يرتبط تمويل الإنتاج الزراعي بتوفير المدخلات، ثم التجميع والتخزين والتصنيع والتسويق. وبذلك لا يصبح التمويل مجرد قرض لفرد، وإنما أداة لتحريك سلسلة اقتصادية متكاملة.
وهذا النهج يمكن أن يكون مهما للسودان، حيث تتوافر موارد وإمكانات إنتاجية واسعة، لكنها كثيرا ما تتعثر بسبب ضعف الروابط بين حلقات الإنتاج والسوق.
التكنولوجيا تفتح الباب أمام تمويل أوسع:
يمكن للتحول الرقمي أن يساعد في معالجة جزء من هذه المشكلة. فالمعاملات الرقمية تقلل الوقت والتكلفة، وتساعد على بناء سجل مالي للنشاط، وتوفر بيانات أفضل عن التدفقات النقدية، وتتيح للمؤسسات المالية الوصول إلى عملاء لم تكن تصل إليهم الأدوات التقليدية.
وبالنسبة للتمويل الأصغر، يمكن للبيانات الرقمية أن تصبح وسيلة لتحسين تقييم المخاطر وتقديم منتجات أكثر ملاءمة. لكن التكنولوجيا ليست هدفا في حد ذاتها. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تجعل التمويل أيسر وأسرع وأقل تكلفة وأكثر قدرة على الوصول إلى المنتج الحقيقي.
التمويل مسؤولية مشتركة:
توسيع التمويل لا يعني إغفال المخاطر. فالتمويل غير المدروس قد يؤدي إلى تعثر العميل، ويضعف المؤسسة المالية، ويضر بثقة المدخرين. وفي المقابل، فإن حصول المشروع على تمويل أكبر من قدرته على التوظيف والسداد قد يحوله من فرصة للنمو إلى مصدر للتعثر.
لذلك يحتاج الممول إلى تقييم حقيقي للنشاط والتدفقات النقدية ومؤشرات المخاطر، ويحتاج المستفيد إلى استخدام التمويل في الغرض الذي حصل عليه من أجله وإدارته بمسؤولية. فالتمويل الناجح شراكة في المسؤولية بين الممول والمستفيد.
السودان بحاجة إلى أموال تتحرك في الاتجاه الصحيح:
في مرحلة التعافي، لا يحتاج السودان إلى أموال أكثر فحسب، وإنما يحتاج إلى توجيه أفضل للموارد المتاحة.
نحتاج إلى ثقافة ترى التمويل وسيلة لبناء الدخل، لا مجرد وسيلة للحصول على النقد. ونحتاج إلى مؤسسات مالية ترى العميل شريكا في النشاط الاقتصادي، لا مجرد رقم في محفظة التمويل. ونحتاج إلى سياسات تشجع التمويل الموجه إلى الإنتاج والقيمة المضافة والتشغيل.
فالاقتصاد لا يتعافى بمجرد ضخ الأموال فيه، وإنما عندما تتحول الأموال إلى نشاط حقيقي.
من المال إلى القيمة:
في النهاية، ليست القضية في المال وحده، وإنما في ما نصنعه بالمال.
المال الذي يتحول إلى آلة إنتاج ليس كالمال الذي ينتهي في استهلاك عابر. والتمويل الذي يزيد إنتاج المزارع ليس كالتمويل الذي لا يضيف إلى قدرته. والقرض الذي يساعد مشروعا صغيرا على النمو وخلق وظيفة جديدة يترك أثرا يتجاوز صاحبه إلى أسرته ومورديه وعماله وسوقه.
ولهذا يجب أن يصبح مستقبل التمويل مرتبطا بمستقبل الإنتاج. فعندما يتحول التمويل إلى إنتاج، يتحول الإنتاج إلى مبيعات، والمبيعات إلى دخل، والدخل إلى قدرة على السداد والادخار والاستثمار، ثم تبدأ دورة جديدة من النشاط الاقتصادي.
هنا تحديدا يصبح المال قوة للتعافي:
لقد كانت المرحلة الأولى هي النجاة، ثم جاءت مرحلة بناء القدرة المالية، وبدأنا بعدها الحديث عن الإنتاج وصناعة القيمة.
أما المرحلة التالية فهي أن نجمع هذه العناصر في منظومة واحدة، يتحول فيها التمويل إلى وسيلة لتحريك الموارد والمهارات والأفكار نحو الإنتاج.
فالتعافي الاقتصادي لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأموال، بل إلى أموال تعرف طريقها إلى الإنتاج، وإنتاج يعرف طريقه إلى السوق، ودخل يتحول مرة أخرى إلى ادخار واستثمار.
وعندها فقط نبدأ الانتقال الحقيقي من اقتصاد يستهلك ما لديه إلى اقتصاد يستثمر ما لديه ويصنع به مستقبله.
** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي



