المرشحة الاماراتية و المثل السوداني “السايقات روابح”

المحقق – محمد عثمان آدم
يبدو أن لانا نسيبة، مرشحة دولة الإمارات العربية المتحدة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، قد أدركت حجم الضغوط الناجمة عن دعم بلادها لميليشيا “قوات الدعم السريع” وما ارتكبته هذه الميليشيا من فظائع، علي فرصها في أي نجاح ما لم تنأى بنفسها عن مصدر الأذى، ذلك كون الدعم تؤكده أدلة قوية من مؤسسات رسمية وخاصة وعامة، بما في ذلك وسائل إعلام مستقلة.
ومع تسارع عمليات التصويت غير الرسمية النهائية داخل الأمم المتحدة – بما في ذلك تصويتٌ يجري اليوم الخميس في مجلس الأمن – يبدو أنها بدأت تراجع نفسها وإن ظاهرياً. لكن أحداً لا تنطلي عليه مثل هذه المناورة؛ فصحيح أنها حمّلت “قوات الدعم السريع” – لأول مرة وبشكل صريح – مسؤولية “الفظائع” المرتكبة في الفاشر ودارفور والسودان عموماً، إلا أنها حاولت النأي ببلادها عن هذا الإخفاق السياسي والانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي. والحال أن التورط في دعم المجرمين والبلطجية يعني بالضرورة المشاركة في هذه الجرائم.
كما تجدر الإشارة إلى أنها، وفي خطوة نادرة، لم تذكر اسم “القوات المسلحة السودانية” في ردها على تقرير نشرته صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية المؤثرة، متجنبةً بذلك مساواتها بـ”قوات الدعم السريع” – وهو نهجٌ دأبت هي وبلادها على اتباعه سابقاً، ومع ذلك، كان من الواضح أن التقارير وردود الفعل – التي قادها السودان – قد ألحقت ضرراً بليغاً و ملموساً بحملتها الانتخابية وأضعفت موقفها كمرشحة لهذا المنصب.
وفي معرض ردها على مقال “بوليتيكو”، كتبت نسيبة عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس” قائلة: “لقد كنت واضحة بشأن ضرورة محاسبة المسؤولين عن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، وأكدت دعمي لعمل آليات تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة”. ولم تشر نسيبة في ردها لا إلى بلادها ولا إلى القوات المسلحة السودانية.
وفي منشور آخر على “إكس”، أضافت: “سيكون السودان أولوية بالنسبة لي بصفتي أميناً عاماً للأمم المتحدة. يجب أن يتوقف القتال، كما يجب حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. إن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع تستوجب المساءلة، وينبغي أن تكون التطلعات الديمقراطية للشعب السوداني هي الموجه الأساسي لأي عملية سياسية”.
لكن ما صرّحت به، إذا ما أُضيف إلى ما توصلت إليه الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان ولجان الخبراء، سيضع المسؤولية على عاتق الجهات التي دعمت قوات الدعم السريع أيضاً.
ومن الجدير بالإشارة هو أن المرشحة الإماراتية تحتل حالياً المرتبة الخامسة بين المرشحين الثمانية الذين لا يزالون في السباق. وستكشف عملية التصويت التي ستجرى اليوم في مجلس الأمن الدولي عن المسار الذي تتجه إليه الأمور. ومهما كانت النتيجة، فمن الواضح أن الحملة التي شنها السودان لإثبات عدم كفايتها – أخلاقياً – لهذا المنصب قد بدأت تؤتي ثمارها؛ فقد دفعتها على الأقل إلى إعادة صياغة تصريحاتها بشأن قوات الدعم السريع، ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من التطورات في هذا الصدد.
وهنا تجدر الإشارة كذلك أن السودان، لم يقل إنها تفتقر إلى الكفاءة الدبلوماسية أو الإدارية؛ بل تؤكد الخرطوم، استناداً إلى أدلة ملموسة ومتسقة، أنها تفتقر إلى الأهلية الأخلاقية والقيمية لشغل هذا المنصب. فقد دافعت عن فظائع وجرائم ارتُكبت في السودان على يد قوات الدعم السريع -التي تحظى بدعم الإمارات- كما أنها تشكك في عمل لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة، وهي اللجان التي تطمح هي نفسها إلى قيادتها في حال انتخابها. والآن، بدأت تتراجع عن كلا الموقفين، رغم استمرار غضها الطرف عن دعم بلادها لمليشيا الدعم السريع.
وفيما يخص السودان و الحملة ذات الصلة، يقول المثل عند الفرنجة practice lead to perfection : “الممارسة تؤدي إلى الإتقان”، ويقول المثل السوداني: “السّايقات روابح” (أي أن المحاولات المتكررة تؤدي في النهاية إلى نتائج إيجابية).



